المشورة

المشورة هي طلب أو إبداء الرأي والنصيحة تجاه وضع معين يتطلب ذلك. فمنذ القديم كان الملوك دائما محاطين بالعديد من المشيرين، وكذلك هو الحال اليوم مع أغلب حكام الدول الذين يستعينون في تدبير أمور الحكم بالمشيرين ومجالس شعب والشورى وغيرها. 

لقد كان أخيتوفل مشيرًا للملك داود (صموئيل الثاني 15: 12)، وكانت آراؤه "التي كان يشير بها في تلك الأيام كمن يسأل بكلام الله. هكذا كل مشورة أخيتوفل على داود وعلي أبشالوم جميعًا" (صموئيل الثاني 16: 23). ثم بعد أخيتوفل أصبح "يهوياداع بن بنايا وأبياثار" مشيرين للملك داود (أخبار الأيام الأول 27: 34). كما كان عم الملك داود المسمى يهوناثا "مشيرًا ورجلًا مختبرًا وفقيهًا" (أخبار الأيام الأول 27: 32). وكان دور هؤلاء المشيرين يتمثل في تقديم النصيحة للملك بخصوص أمور الدولة سواء في الداخل أو الخارج، لأن"الخلاص بكثرة المشيرين" كما يشهد الكتاب(كتاب الأمثال 11: 14، 15: 22). لكن هذا لا ينفي أن بعض هؤلاء المشيرين كانوا حمقي أو أشرارا، فكانت مشورتهم تجلب دائما البلاء كما حدث مع رحبعام عندما لجأ إلى استشارة الشباب الذين تربوا معه وأهمل مشورة الشيوخ الذين كانوا مع أبيه الملك سليمان، وكانت النتيجة انقسام المملكة. لذلك يهنئ المرنم الرجل "الذي لم يسلك في مشورة الأشرار" (مزمور 1: 1). ويقول إرميا مشيرا إلى الشعب القديم: "لم يسمعوا ولم يميلوا أذنهم، بل ساروا في مشورات وعناد قلبهم الشرير" (إرميا 7: 24)

ونقرأ في إشعياء هذه الآية العجيبة التي تذكر المشورة في معرض الحديث عن المسيح العظيم: "يحل عليه روح الرب روح الحكمه والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إشعياء 11: 1). ويقول إشعياء أيضًا في إشارة رائعة إلى السيد المسيح: "ويدعي اسمه عجيبًا مشيرًا إلها قديرًا أبًا أبديا رئيس السلام" (إشعياء 9: 6). 

لكن ماهو هدف المشورة بالنسبة للمؤمن بسيدنا عيسى المسيح؟ إنه ببساطة اكتشاف الإنسان لنفسه من خلال اكتشاف حياته الجديدة في سيدنا عيسى المسيح. وهي مشورة تقتدى بعمل الروح القدس “ولكن عِندَما تأتي رُوحُ اللهِ، فستُرشِدُكُم إلى الحَقِّ كُلّهِ، لأنّ كُلَّ ما تَبُثُّهُ فيكم هو الحَقُّ، ولن تَتَكَلّمَ مِن تِلقاءِ نَفسِها، بل ستُطَلِعُكُم على ما بَلَغَها مِنّي فقط، وتُنبِئُكُم بما سَيَجري مِن أحداثٍ في المُستقبلِ.” (إنجيل يوحنا 16: 13)، أيْ مشورة على أساس الحقيقة الإلهية المُعلَنة في الكتاب المقدس والتي أشرنا إلى بعضها “أيضاً شهاداتك هي لذتي أهل مشورتي” (مزمور 119: 24)، وأيضا على أساس الاسترشاد بكتابات وسير الآباء “تَذَكَّروا دائمًا المُرشِدينَ الَّذينَ عَلَّموكُم رِسالةَ اللهِ، وتَأمّلوا في سِيرَتِهِم حَتّى نِهايتِها، واقتَدُوا بإيمانِهِم.” (الرسالة إلى العبرانيين 13: 7).

ومن مبادئ المشورة المسيحية اعتبار السيد المسيح هو مثالا أعلى في المشورة؛ فهو المشير الذي يعلن لنا الصدق في المحبة (أفاسوس  4: 15). وكذلك الكتاب المقدس مصدرا أساسيا للمشورة والإرشاد “فهذِهِ الكُتُبُ كُلُّها وَحيٌ مِن اللهِ، تُفيدُ في التَّعليمِ وفي رَدِّ الضَّلالِ وفي تَصحيحِ الخَطإ وفي الإرشادِ إلى ما يُرضي اللهَ، وبالإيمانِ بهذِهِ الكُتُبِ يَكونُ المؤمنُ التَّقيُّ الصّالِحُ مُؤهَّلاً لِلقِيامِ بِكُلِّ الأعمالِ الصّالِحةِ." (رسالة ثيموتاوي الثانية 3: 16،17). ثم اعتماد الروح القدس الذي هو روح المشورة (إشعياء 11: 2) لأنه المتحكم في خدمة المشورة بشكل كلي.