عشاق الله

التبشير المسيحي والتبشير الإسلامي/الأستاذ أحمد عصيد

أقدم المغرب في الآونة الأخيرة على طرد مبشرين أجانب بتهمة نشر المسيحية في بلاد المسلمين، كما تطالعنا بعض الصحف المغربية بين الفينة و الأخرى بعناوين عريضة بارزة في صدر صفحتها الأولى عن "خطر التبشير" و "آفة التنصير" التي تهدّد "كيان الأمة"ـ و غالبا ما تكتسي هذه المقالات طابع ناقوس الخطر الذي يدق بالتحريض الواضح للسلطة لكي تتدخل بالرذع و المنع لـ " إيقاف زحف التنصير" و التصدي لهذا الخطرالذي يهدد الإسلام بالإقتلاع و المحو. و إذ يغلب الطابع التحريضي على هذا النوع من المقالات لا يلتفت كتابها في الغالب إلى معطيات الواقع، كما لا يؤخذ القانون العصري بعين الإعتبار، و تصبح المرجعية في التفكير مرجعية دينية تقليدية بحتة، تستلهم قيم مجتمع لم يعد قائما اليوم، و إن كانت بعض بقاياه طافية على السطح، و لهذا لا ترد في هذه المقالات عبارات مثل "حرية الإعتقاد" و "التسامح الديني" و "التعددية الدينية"، حيث يتم التجاهل المطلق لحق المواطنين في اختيار دينهم و الذي ينصّ عليه الدستور، و يتم صياغة العبارات بطريقة ماحقة و قطعية تحكم على جميع المغاربة بالإسلام، و تعتبر من بدل دينه "مغررا به" أي ضحية وقع في أحابيل مبشرين أشرار يستعملون طرقا غير شريفة للإيقاع بالمؤمنين الذين يولدون جميعا مسلمين بالفطرة . فالمسلم الذي غير دينه حسب منطق هذه المقالات الإستنفارية لم يقم بذلك عن قناعة و اختيار حر بل هو مسلوب الإرادة بسبب الفقر و الحاجة، مما جعل شخصيته من الهشاشة بحيث يقع فريسة هؤلاء المبشرين بسهولة، و يبرر بالتالي أن تنوب عنه الدولة في التصرف.

هذه الصورة الكاريكاتورية تخفي الكثير من الحقائق التي ينزعج منها دعاة الإسلام السياسي، و التي لا يقبلون الخوض فيها و لا يرتاحون لإثارتها، فالكثير من الذين اعتنقوا المسيحية بالمغرب ليسوا فقراء و لا بهم حاجة تجعلهم ضحية إغراء أو نصب من أي نوع، بل إن مناقشتهم تظهر بأن انتقالهم من دين إلى آخر كان باختيار و إصرار مبدئي، حيث يحاججون و يدافعون عن مواقفهم بعقلانية لا جدال فيها، من جهة أخرى نجد الكثير من الذين تنصروا قد سعوا هم أنفسهم إلى البحث عن المبشرين و الإتصال بهم و ليس العكس، و من جهة ثالثة يوجد من بين الذين اختاروا المسيحية من يوجه انتقادات حادة للإسلام و للمسلمين و عاداتهم و قيمهم مما يعني أن اختيار تغيير الدين كان ناتجا عن عدم الرضى عن نمط حياة معين، و عن تفضيل نمط آخر.

و بقدر ما نجد موقف المتنصرين متماسكا و منطقيا، بقدر ما نندهش من كثرة التناقضات في مواقف المسلمين عامة و الإسلاميين على وجه الخصوص، و هي تناقضات و مفارقات تثير أسئلة جوهرية حول مدى قدرة المسلمين على استيعاب قيم عصرهم و الإندماج فيه و المساهمة في رصيده الإنساني، و هي تناقضات يمكن رصدها كالتالي:


1) لا يقبل المسلمون أن يقوم الغير بالتبشير بدينه في بلادهم و يعتبرون ذلك مؤامرة على الإسلام و على كيان الدولة ـ الذي يربطونه ربطا عضويا بالدين ـ و يدعون إلى محاربة ذلك و مواجهته بوسائل السلطة المعروفة من منع و اعتقال و محاكمة و إنزال العقوبات التي وصلت في بعض الحالات إلى 15 سنة !!.
لكنهم بالمقابل يعتبرون التبشير بالإسلام في أوروبا و أمريكا "صحوة مباركة" و "فتحا مبينا"، حيث تعدّ جمعيات التبشير الإسلامي بعشرات الآلاف في القارات الخمس، و هي تنشط اعتمادا على شبكات تمويل دولية تتوفر على إمكانيات هائلة، دون أن تجد أية عراقيل قانونية أو سياسية في طريقها، كما أن الدول المضيفة لا تعتبر شخصا ينشر الإسلام مهددا لكيانها أو خطرا عليها. فلنتصور أن الدول الغربية قررت منع نشر الإسلام بين ظهرانيها، كم سيكون عدد المعتقلين و المطرودين من المسلمين.


2) يرى الإسلاميون بأن التبشير يستعمل وسائل غير شريفة مثل توزيع الهبات و الأموال و إيجاد فرص الشغل لاستقطاب المسلمين و اصطيادهم و الإيقاع بهم في حبائل النصرانية، و الحقيقة أن المسلمين في بلدان الغرب يعتمدون نفس الوسائل بالتمام و الكمال، فالإغراء بالمال هو من أهم آليات عمل الإسلاميين في المهجر، سواء مع الغربيين أو مع المسلمين أنفسهم للإيقاع بهم في حبائل الوهابية و التطرف الديني، فالفرق الواضح بين التنصير و الأسلمة هو أن التنصير لا يؤدي إلى صنع أحزمة ناسفة وتفجير القطارات و الفنادق، خلافا للأسلمة التي تتم في الغرب على الطريقة الوهابية الخطيرة.


3) يعتبر الإسلاميون بأن حملات التنصير تهدف إلى خلق أقلية من 10 في المائة من السكان المسيحيين للضغط على المغرب بواسطتهم و إحداث القلاقل و صنع الحروب الطائفية، و الحقيقة أن المسلمين هم الذين بدأوا فعلا في تشكيل أقليات مسلمة بالغرب و طوائف تطالب بتعديلات في القوانين الديمقراطية لصالح خصوصياتهم الدينية، إنه استعمال للديمقراطية الغربية بهدف نقضها و هدمها.


4) تتعامل الدول الإسلامية مع من بدّل دينه من "رعاياها" إما بالقتل بعد الإستتابة ـ كما هو الشأن في العربية السعودية ـ أو بالسجن ثم المتابعة و المراقبة و المضايقة بغرض دفعه إلى تغيير دينه من جديد و العودة إلى الإسلام، أو من أجل دفعه إلى مغادرة وطنه إلى الخارج. أما في الغرب، فاختيار فرد ما الخروج من المسيحية و اعتناق الإسلام ليس شأن الدولة و لا المجتمع، بل هو اختيار حر و فردي، و واجب الدولة حماية حق الأفراد في اختياراتهم العقائدية و ضمان شروط التعايش المشترك بين جميع مواطنيها مهما اختلفت دياناتهم أو ألوانهم أو أصولهم . و لا يتدخل المواطنون في بلاد الغرب في اختيارات غيرهم الروحية بل ينظرون إليها باحترام و تسامح . أما "الرعايا" المسلمون فيعتبرون من بدّل دينه منهم خائنا للأمة و مصدر عار و فضيحة و تهديد لأمنهم الروحي، مما يؤدي بهم إلى نبذه اجتماعيا و معاملته بغلظة بعد اليأس من إقناعه بالعدول عن اختياره، و على عكس ذلك يعاملون من دخل الإسلام من الأجانب بحفاوة بالغة، حيث يبتهجون به أيما ابتهاج و لا يتوقفون عن الإفتخار به و الحديث عنه و تهنئته على اختياره الصائب.


5) يمنع في المغرب بناء الكنائس، كما يمنع على الكنائس الموجودة من قبل دق أجراسها، و تلتزم الكنيسة بقانون تمتنع بموجبه عن قبول أي مغربي داخلها، و في المقابل يقوم المسلمون في بلاد المهجر ببناء المساجد بكثافة، بل إنهم حولوا بعض الكنائس إلى مساجد دون أي اعتراض من أحد، و بدأوا يتطلعون من فرط الحريات إلى إزعاج غيرهم، حيث بدأوا يطالبون بدون خجل ببناء صوامع عالية و وضع مكبرات الصوت و الآذان خمس مرات في اليوم منذ الفجر، تماما كما يفعلون في بلدانهم. و لأن الديمقراطية لا تعني الفوضى، و لأن الحرية تحدها حرية الآخر و حقوقه، فإن الدول الغربية تحاول إقناع المسلمين بالعدول عن خطئهم، غير أن هؤلاء مصرون على التنديد بـ"عنصرية الغرب " الذي يعادي دينهم و لا يسمح لهم بفعل ما يريدون كما يريدون و لو على حساب الغير.

و بما أن المسلمين يتمتعون بكل الحقوق في ممارسة شعائرهم الدينية بالغرب، فإنهم لا ينسون الدعاء من فوق منابر المساجد لهؤلاء الغربيين الذين آووهم و استضافوهم في بلدانهم بترميل نسائهم وتيتيم أطفالهم و زلزلة الأرض من تحت أقدامهم وتجميد الدماء في عروقهم ووجوب بغض الكفار و عدم الإختلاط بهم و التآخي في الله مع المسلمين فقط.


6) يلجأ المسلمون من الطوائف و المذاهب و الفرق المختلفة إلى البلاد الغربية من أجل التمتع بحريتهم العقائدية دون إكراه، و لممارسة طقوسهم التعبدية في أحسن الظروف، بينما هم في بلدانهم يعيشون وضعية الحجر و الحصار ، حيث لا يسمح للمخالفين للدين الرسمي للدولة بأداء شعائرهم في حرية تامة، و يتعرضون لأنواع التضييق و الإضطهاد، و يعتبرون بدورهم كالمتنصرين مصدر تهديد للأمن الروحي و لاستقرار البلاد و وحدتها.