الإرهاب عقائد تكفيرية قبل أن يكون عبوات تدميرية 3/3

  الإرهاب عقائد تكفيرية قبل أن يكون عبوات تدميرية 3/3

المفكر المغربي سعيد الكحل

لا شك أن عقائد التكفير ليست وليدة اليوم ؛ فقد عانى منها المسلمون الأوائل وذهب ضحيتها علي بن أبي طالب أحد أبرز الخلفاء الراشدين . وإذا كانت هذه العقائد قد بلغت درجة التطرف مع المودودي وسيد قطب ، إلا أنها لم تبلغ من الشراسة مثلما بلغتها مع تنظيم القاعدة والتنظيمات المرتبطة به عضويا أو إيديولوجيا والتي تشكل ما يسمى بتيار السلفية الجهادية . من هنا ظلت عقائد التكفير هي المغذي الرئيسي للعمليات الإرهابية التي تنفذها التنظيمات المتطرفة ضد الدولة أو المجتمع أو الأفراد . ويلعب الفقهاء والشيوخ أدوارا مركزية في حقن الضحايا بثقافة التكفير وفتاوى القتل ، ومن ثم تعطيل عقولهم وسلب إرادتهم وتحويلهم إلى قنابل بشرية تقتل الأبرياء وتروع الآمنين . لهذا يصبح القتل والتفجير نتيجة مباشرة وحتمية لانتشار عقائد التكفير التي تنتجها وتروج لها أطراف عدة تتكامل أدوارها وإن اختلفت مواقعها . وهذه بعض النماذج :


أ ـ في جريدة " التجديد " عدد 205 ، أصدر عبد الباري الزمزي فتوى تكفر كل اليساريين والاشتراكيين وجعل قتلهم واجبا على كل " مسلم" كما في موضوع اغتيال المهدي بن بركة حيث جاء فيها ( فكيف يكون شهيدا من كان قتله مشروعا بصرف النظر عمن قتله . وذلك لكونه خارجا على الأمة وثائرا على السلطان وفارا من القضاء ومارقا من الدين وواحدة من هذه الجرائم توجب قتله ، فكيف وقد اجتمعت كلها فيه . فإنه لو أمكن قتله ثلاث مرات لكان ذلك واجبا في شرع الله ) . لهذا لم يتردد الزمزمي ، بفعل مشاعر الحقد والضغينة ، في نفي الإيمان عن كل اليساريين ومؤاخاتهم مع اليهود كما في قوله ( ولا غرابة في هذا التوافق والتطابق الحاصل بين الفريقين . فاليسار واليهود إخوة من الرضاعة فهم جميعا يد واحدة على الإسلام وأهله ، وهم جميعا لا يؤمنون بالآخرة ولا يعملون لها ) .


ب ـ " علي العلام" الذي عاد من أفغانستان متشبعا بثقافة التكفير وعقيدة القتل التي تلقاها على يد شيوخ التطرف وأمراء الدم ، يعترف في حوار له بالتالي ( درست علم الشرع في الحرم على يد أبو قتادة وأبو الوليد الفلسطينيين ، أخذت بعض القواعد عن محمد الفيزازي في طنجة .. في تلك الفترة ( لما كان عمره 20 سنة ) كان الفكر الجهادي بيننا عقب تأكد قناعات في عدم جدوى الحلول الترقيعية ، وعن طريق بعض الدعاة ترسخت لدينا ضرورة القيام بمبادرات بمنهجنا السلفي الجهادي .. حيث اقتنعنا أنه إما أن يطبق شرع الله أو القتال وكنا ننبذ الحلول الترقيعية ، شخصيا كان لدي طموح للمشاركة في الجهاد الأفغاني وتكوين نواة جهادية هنا في المغرب بعد العودة ، وبالفعل عملت في ذلك عن طرق نسخ الأشرطة والأنتيرنيت إلى غير ذلك ، وانتشرت الدعوة الجهادية في مدن الدار البيضاء وفاس والرباط وغيرها من المدن .. كان أساس الدعوة الجهادية هو أنه على الأقل إذا لم يصبح المدعوون معي فعلى الأقل تتزعزع قناعاتهم بخصوص شعارات الديمقراطية وأنصاف الحلول ) .


ج ـ محمد العمري أحد الانتحاريين الناجين ليلة 16 مايو 2003 ، الذي هو ضحية عقيدة التكفير والقتل ، اعترف أمام المحكمة أن الشيوخ يحرضون على القتل والتفجير بقوله ( حضرت درسا للشاذلي وكان يتعلق بالإيمان ..زيادة على الدروس التي كانت تقام بمنزلين ويحضرها ما بين 15 و 20 شخصا وتستغرق حوالي نصف ساعة . وكانوا يحثوننا على الجهاد في البلاد التي لا تطبق الشريعة الإسلامية ) .

إن هؤلاء يمارسون القتل والإرهاب ليس بدافع الفقر والحاجة ، بل بتأثير عقائد التكفير والتفجير التي تكفر الدولة والمجتمع والأفراد لاعتمادهم قوانين "وضعية" . وهذا ما أكده محمد العمري في جوابه عن سؤال للقاضي : ماذا يعتبرون القانون الوضعي ؟ أجاب : ( يعتبرونه كفرا ومن آمن به كافر ) .


د ـ عبد الله زياد أحد مدبري الهجوم على فندق " أطلس أسني" سنة 1994 أقر أمام المحكمة أنه كان يهدف إلى ترويع الآمنين ( أحداث مراكش لم تكن لتغير النظام المغربي ، إنها تطبع الذاكرة ، إنها تترك أثرا في الأرواح )( الأيام عدد: 31 بتاريخ 05 أبريل 2002 ) فالرعب واحد من الأهداف المتوخاة من الأعمال الإرهابية وليس الخبز أو الدواء .


هـ ـ أفتى عبد الكريم الشاذلي بالتالي ( علينا أن نعلم أن المرء لا يكون من الموحِّدِين حتى يكفر بكل طاغوت قديما كان أو معاصرا . فإن لكل عصر وزمان ومكان طواغيته وأشنعها طواغيت عصرنا الذين يحكمون الناس بالقوانين الوضعية في صور شتى ، فعبدها الناس وتحاكموا إليها وسلموا بها ) .


و ـ محمد دومير أحد العناصر الإرهابية الخطيرة المنتمية للسلفية الجهادية ـ مجموعة يوسف فكري ـ والمحكوم بالإعدام ، صرح ، بكل سادية وبرودة دم ، أمام المحكمة ( أحيطكم علما أن الأفعال المنسوبة إلي اقترفتها وقمت بها عن علم من كتاب الله وسنة نبيه .. أنا مسرور .. أنا أسعد الناس في هذا الزمان لأنني أحاكَم بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )

إن عقائد التكفير وثقافة التفجير ، ما إن تتمكن من كل ضحية إلا وتحوله إلى كائن فاقد للوعي والإرادة ، لا يملك غير القدرة على الاستجابة للبرمجة التي وضعها شيوخ التطرف وأمراء الدم . إن هذه الفتاوى والعقائد تفسد آدمية الانتحاريين وتدمر فطرتهم كما يقول الدكتور عبد الرحيم عمران ، أستاذ علم النفس الاجتماعي ( تغيرت لديهم النزعات التلقائية لدى البشر المتمثلة في حب البقاء والاستمرار على قيد الحياة ، وصاروا أصحاب مواصفات خاصة متميزة ، قوامها نزعة مرضية وشخصية للإقبال على الجريمة بشكل بنيوي ومستوى نفسي مؤطر ومحصن وبقناعة إيديولوجية ودينية متطرفة ويغيب فيها التردد والشك والاحتمال .. والمؤشرات المتوفرة تسمح بالقول إن قناعتهم لم تتغير . والأخطر من ذلك أنهم يمرون إلى الفعل ، بما يعني أن إعادة تأهيل وإدماج هذه العينة تبقى معادلة صعبة ، وتتطلب وقتا أكبر وأساليب سيكولوجية واجتماعية وتربوية مغايرة ) .