عشاق الله

خرافة علاقة الإرهاب بالتعليم الديني

خُرافة علاقة الإرهاب بالتعليم الديني!

 

شاكر النابلسي

 

سَرَت في العالم العربي وفي الغرب كذلك، بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، موجات إثر موجات من التحليلات لظاهرة الإرهاب في العالم العربي المسلم. وكعادتنا في سرعة تبني الأسباب الظاهرة دون الباطنة، انصبّت معظم هذه التحليلات على دور مناهج التعليم الديني الظلامي في انتشار ظاهرة الإرهاب. وكنا نعني بـ "الظلامية" هنا تلك النصوص الدينية التي تحضُّ على كراهية الآخر والعداء له، والتي يجري التركيز عليها وتلقينها للناشئة. كما كنا نعني بذلك مقولة "الولاء والبراء" التي أُقحمت في المناهج الدينية في بعض الدول العربية. وكان "الولاء" يعني لدين الإسلام وحده، و"البراء" من الأديان الأخرى. بل كان يعني دائرة أكثر ضيقاً من هذه في بعض المناهج الدينية لدول الخليج. إذ، كان يعني تفسيراً معيناً ومنهاجاً معيناً لنصوص الدين، دون النظر أو الاعتراف بالتفاسير والمناهج الأخرى.

-2-

فلماذا اعتبرنا دور المناهج الدينية والظلامية منها على وجه الخصوص دوراً وهمياً و من الخرافات، في انتشار الإرهاب في الربع قرن الماضي (1981-2005) بدءاً من اغتيال الرئيس السادات 1981 إلى الآن ؟

وهل كان دور المناهج الدينية والظلامية منها، سبباً رئيسياً، أطلقناه نحن العرب المسلمين؟ ولقد كنتُ أنا في الماضي واحداً من معتنقي هذا الرأي لكي نبرر به أعمال الإرهاب الشريرة. وقد كتبت في كتابي (محامي الشيطان: دراسة في فكر العفيف الأخضر) الذي سيصدر في الشهر القادم، ما ملخصه أن الأبجدية العربية تبدأ بـ ( كَ فَ رَ : كَفَرَ ) . وقلتُ: لا شك، أن أنظمة التعليم المتخلفة في العالم العربي، وفي دول الخليج على وجه الخصوص، كانت من الأسباب الرئيسية لانطلاق الإرهاب، فهي التي ربّت الإرهابيين على تكفير الآخر، ومحاربة الآخر، وكراهية الآخر.

وقلتُ كذلك: لا شك، أن المناهج التعليمية العربية، التي كانت متخلفة في الخمسينات والستينات، بسبب تركيزها الأساسي على المواد الدينية التحفيظية والتلقينية، وعدم تركيزها على العلوم الطبيعية، والرياضيات، والاقتصاد، والفلسفة، والمنطق، والفنون، وعلوم الأديان المقارنة، وعدم اهتمامها بتدريس اللغات، كانت من أسباب وجود تربة صالحة، ومجاري طافحة، صالحة لتربية بعوض الإرهاب.

وهذا الحكم أطلقه أيضاً الغرب على مناهجنا الدينية، لكي يصيب أعداء الإسلام في الغرب (القس بات روبرتسون مثالاً) مقتلاً من الإسلام كدين من ناحية، ولكي يبرر الغرب لنفسه أسباب الإرهاب، ويُبعد سبب مظالمه السياسية والاقتصادية للعالم العربي على مدار القرن العشرين كواحد من أسباب الإرهاب المنتشر الآن بقوة، ومنذ ربع قرن مضى؟

-3-

في ظننا وزعمنا، أن دور المناهج الدينية والظلامية منها، لم يكن دوراً رئيسياً في رفع وتيرة الإرهاب في الربع قرن الأخير وإلى الآن، وحججنا في ذلك تتلخص فيما يلي:

1- أن المناهج الدينية والظلامية منها، موجودة منذ القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، وما قبل ذلك أيضاً. ولعل النظر في كتب التدريس الدينية المعتمدة في الجامع الأزهر تبين لنا قِدَمَ هذه المناهج. ولعل من قرأ "الأيام" لطه حسين، وما كان يجده من عناء في التعلم قبل وبعد دخوله الأزهر، يدرك مدى وطأة التعليم الديني على تشكيل شخصية الطلبة. وتتابعت المدارس الدينية في العالم العربي، وبقيت المناهج الدينية على حالها بل ربما ازدادت سوءاً وتخلفاً. ولكنها رغم ذلك لم تثمر موجات الإرهاب التي نراها في هذه الأيام. فهل كانت شجرة الإرهاب بحاجة إلى كل هذه السنوات لكي تطرح هذه الثمار المُرّة والقاتلة؟

2- إن التعليم الديني في إسرائيل، مليء بالنصوص التي تعادي العرب، على سبيل المثال. ورغم ذلك لم تنتج هذه النصوص ارهاباً اسرائيلياً ضد العرب يماثل الإرهاب العربي ضد الآخرين. ففي دراسة أجريت على 380 كتاباً في المناهج التعليمية الإسرائيلية، ألحقت العرب بالمهن التالية:

لصوص (42 كتاباً)، مخرّبين (36)، قناصين وقتلة (27)، مختطـفي طائـرات (31)، مغتصبي أملاك (41)، يحرقون الحقول والأشجار (17)، أعمال قاسية دون تحديد (181). كما أثبت البروفيسور كوهين في بحثه المنشور بالعبرية تحت عنوان: (بانيم مخوعارت بمرآة، يعني: أي وجه قبيح في المرآة) ، أنه في تحليله لمضامين ألف كتاب عبري، تظهر صورة العربي في شكل قاتل أو مختطف للأطفال، وأن هذه الصورة مستقرة لدى 75٪ من أطفال المدارس الابتدائية الإسرائيلية.

وممّا ورد في بعض الكتب المدرسية في إسرائيل: "كل ما مرّ بالقدس ليس سوى غزوات عابرة، حتى سعدت بعودتنا لتصبح عاصمة إسرائيل مرة أخرى (كتاب "هذا موطني" تأليف، ش. شكيد). وفي مقرّر الصف السابع، هجوم سيئ على النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ووصفه بالغارق في الأحلام، وأنه يأمر أتباعه بنشر الدين بقوة السلاح، وأنه يستعمل المكائد والمؤامرات في حربه مع اليهود. وفي كتاب "علم التربية المدنية"، المقرّر على طلبة المدارس الثانوية، أن العرب يعدون لحرب إبادة ضد إسرائيل، بحيث يقذفون بالسكان اليهود في البحر، وأنهم إذا لم ينفّذوا في هذا الوقت تهديداتهم، فلعدم القدرة، لا لعدم الإرادة.

وفلسفة التعليم الصهيوني بُنيتْ أصلاً على تلقين التراث الديني اليهودي، وإفهام الطلاب بأنّ الحضارة البشرية هي نتاج مشترك بجهود الشعب اليهودي. وقد عبرّ الكاتب اليهودي (موشيه مينوحين) الذي تخرّج من المدرسة الثانوية اليهودية الأولى "الجمنازيوم"، عن الرّوح التي تبثّها المدارس اليهودية قائلاً: "منذ أولى سنوات دراستنا في الجمنازيوم. كنا نتلّقى يومياً خُطباً لا تنتهي عن واجباتنا المقدّسة نحو أمتنا وبلادنا وأرض آبائنا، وكان يقرع قلوبنا الفتية أنّ أرض آبائنا يجب أن تخلص لنا نظيفة من الكفّار العرب، وأنّه يجب أن تسخّر حياتنا لخدمة أرض آبائنا وللقتال من أجلها".

3- من الباحثين من يركز على أثر الوهابية السلبي، وعلى دورها في رفع وتيرة الإرهاب على هذا النحو الذي نراه الآن. في حين الوهابية كانت موجودة منذ القرن الثامن والتاسع عشر، وكانت تعاليمها وخطابها الديني في ذلك الوقت متطابقاً مع واقع الجزيرة العربية البدائي خاصة والعالم العربي عامة، في ظل الحكم العثماني في ذلك الوقت، ورغم هذا لم يظهر الإرهاب على هذه الصورة الذي نراه الآن. بل إن التعاليم الوهابية لم تكن ذات بال بالنسبة للصراع العربي- الإسرائيلي في الثلاثينات من القرن العشرين. فلا عز الدين القسام، ولا عبد الرحيم محمود، ولا الشيخ أديب السراج، ولا الشيخ موسى البديري، ولا فوزي القاوقجي، ولا الحاج امين الحسيني كانوا وهابيين، أو يعتنقوا أي خطاب وهابي فيما بتعلق بالجهاد. ولم تنتشر الوهابية إلا من زمن قريب في فلسطين تحت مصطلح السلفية المتمثلة بـ "جمعية القرآن والسُنَّة" ومركزها في قلقيلية . وهناك جماعات أخرى مثل "التكفير والهجرة". كذلك فلا علاقة لحماس أو "الجهاد الإسلامي" أو أي تنظيم ديني مسلح في فلسطين بالوهابية وخطابها. فهذه الجماعات خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، ولم تخرج من عباءة الوهابية.

4- الآن، ومنذ التسعينات اختلف الواقع العربي وما يحيط به عما تقوله الكتب الدينية للطلبة. فالكتب الدينية التي تُدرّس للطلبة تحرّم الربا مثلاً في حين أن أكثر من ثمانين بالمائة من آباء هؤلاء الطلبة يتعاملون مع بنوك "ربوية" دون حرج، أو تردد . وفي بعض البلاد الإسلامية كالسعودية حُظر فتح بنوك اسلامية أو شركات استثمار اسلامية كالتي قامت في مصر والسودان وباقي دول الخليج. كما أن الطلبة الذين يدرسون تحريم الربا، يتجهون بحماس شديد بعد التخرّج إلى العمل في البنوك "الربوية" دون حرج أو تردد. كذلك، فإن كتب الدين تُحرّم في التجارة أن تكون السلعة من نفس الثمن مثلاً. فلا يُباع المال بالمال أو القمح بالقمح.. الخ. ولكن تجارة السيارات مثلاً في كافة أنحاء العالم العربي دون استثناء، تستبدل السيارات القديمة بسيارات جديدة، أو تشتري السيارة القديمة وتبيعك سيارة جديدة. كذلك، فإن البورصة في كافة أنحاء العالم العربي تشترى الأسهم والسندات، التي هي مال بالمال، وتبيع هذه السندات والأسهم التي هي مال بالمال. والطلبة الخريجون الذين درسوا هذه الشرائع، يعملون في البنوك "الربوية"، ويعملون في البورصات العربية، وفي معارض السيارات.. الخ. وكتب المناهج الدينية مليئة بسب اليهود وشتم المسيحيين، واحتقار كل ما هو غير مسلم. وعلينا أن نعترف بهذا. ولكن أرض الواقع العربي تشهد في الأردن مثلاً، اقامة مشاريع صناعية في المنطقة الحرة مع شركات يهودية. والشباب والشابات الأردنيات من المحافظين والفقراء، يتقاطرون على العمل في هذه المشاريع بالمئات وهم يعلمون أن اليهود مستمثرين في هذه المشاريع. وينسون ما قرأوه من عداء لليهود في الكتب المناهج الدينية قبل سنوات. كذلك تشهد أرض الواقع العربي، توقيع اتفاقات يومية مع الدول المسيحية، وتبادل سفراء، ووفود وخبراء في المجال العسكري والتربوي والاقتصادي والزراعي. ونحن نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونتفرج ونسمع ونقرأ وننعم بما ينتجه لنا المسيحيون الغربيون. كذلك فقد عقدنا ثلاث معاهدات سلام مع اسرائيل حتى الآن. وبالأمس تصافحت باكستان الدولة الأصولية المسلمة برعاية ومباركة تركيا المسلمة مع الدولة اليهودية. وما زالت الطريق طويلة.

إذن، اختلف شكل وطبيعة ونوايا وتموضع الآخر في واقع الشباب العربي، عمّا درسوه وحفظوه في كتب مناهج الدين. لقد اختلف العالم كله، اختلفت قنوات المعرفة، وسيطرت العولمة الثقافية والعولمة الإعلامية على الفضاء العربي. ولم تعد هناك "دار اسلام" و "دار حرب" كما كان يُدرّس للناشئة وإلى الآن. وأن هذا التقسيم موجود فقط في رؤوس رجال المؤسسات الدينية فقط وواضعي المناهج الدينية. وهؤلاء هم خارج الواقع، وخارج العصر، وخارج الحداثة. ويعيشون في القرون الوسطى ومفاهيمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إذن، فشلت جهود المؤسسات الدينية في العالم لزرع كراهية الآخر في نفوس النشء العربي. ويعلق بعض التربويين التنويريين على هذا الفشل بقوله: إن التعليم العربي يضيع وقته سدىً عندما يُكرّس هذه المواد الدينية التي تلقّن للطلبة في كراهية الآخر، في حين يجد الشباب العربي واقعاً مضاداً لما يتعلمه في المدارس. إن هذه الساعات الطويلة المجانية في دراسة هذه الكراهية الموجودة في النصوص الظلامية فقط وليس على أرض الواقع، كان يجب أن تُكرّس لمنافع أخرى.

5- إن الطلبة في العالم العربي، الذين يتلقون مثل هذه الدروس الدينية المحرِّضة على كراهية الآخر والعداء له، لا يعيشون في افغانستان طالبان، أو في باكستان محمد علي جناح التي تعتبر معظم مناطقها منقطعة عن العالم وما يدور فيه. فطلبة الخليج خاصة والطلبة العرب عامة، يعيشون وسط الانجاز العلمي العالمي للاتصالات والمواصلات. وشبكات الانترنت تنتشر في هذه الأوساط انتشار النار في الهشيم. وهم بذلك يرون في كل هذا حقائق تختلف عن الحقائق التي يقرأونها في الكتب الدينية الظلامية.

-4-

بعيداً عن التعليم الديني الظلامي وأثره المزعوم في رفع وتيرة الإرهاب، يشير الباحث الفرنسي أوليفر روي في كتابه "الإسلام المعولم" إلى أن الإرهابيين الأصوليين المعاصرين، يشبهون إلى حد كبير الحركات اليسارية المتطرفة التي برزت في الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد جاءت الأصولية الإرهابية لتملأ الفراغ الأيديولوجي الذي خلفته الاشتراكية والقومية بعد هزيمتها في العالم العربي. ولاحظ الباحث الفرنسي أن الأصولية الإرهابية تجند نفس النوعية من الأشخاص المتعلمين والمنحدرين من عائلات مهاجرة، كما أنهم يوظفون نفس الرموز ويقدحون نفس الأعداء كالإمبريالية والرأسمالية. ويشدد الباحث الفرنسي على أن الأصولية الإرهابية ما هي إلا نتاج للعولمة وأعداء لها في نفس الآن. وحسب رأيه يلجأ بعض الشبان إلى الإرهاب لأنه الشيء الوحيد المتبقي لهم بعدما فقدوا صلتهم بثقافة بعينها أو بلد بعينه، ويشير ماضيهم إلى أنهم كانوا بمنأى عن السياسة قبل أن يحملوا السلاح ويتبنوا الإرهاب. والهدف بالطبع هو توجيه ضربة قاصمة إلى النظام وإعطاء معنى لحياتهم. ويبدو أن العالم العربي كان دائما متلقياً جيداً للأفكار الغربية حتى لو كانت سيئة. وهذا ما نلاحظه مع الأصوليين الإرهابيين الذين استلهموا نفس قيم التمرد والانتفاض التي سبقتهم إليها الحركات اليسارية في الغرب وحوروها في اتجاه آخر حيث نراهم يفدون إلى العراق لتفجير الأميركيين والعراقيين على حد سواء، كما قال ديفيد بروكس (تعريف جديد لمعنى الإرهابيين، نيوريورك تايمز، 20/8/2005). وهذا رأي آخر ينفي أثر التعليم الديني الظلامي في رفع وتيرة الإرهاب في العالم العربي والذي جعلناه سبباً رئيسياً، لكي ننفي الأسباب الحقيقية الأخرى التي رفعت من وتيرة الإرهاب الآن.