عشاق الله

الحلاج - صوفي مجاهد باسلوب مسيحي

تقديم للمقال:

ماذا تعرف عن الحلاج؟
ربما نكون جميعا سمعنا عبارة (مأساة الحلاج)
لكن أغلبنا لا يعلم شيء عن هذا الصوفي العظيم
ولا عن أسلوبه الفريد في مجاهدة النفس
هذا المقال هو دعوة لكل مسيحي أو مسلم
لمجاهدة النفس بأسلوب جديد

حاتم


نظرات في مسألة الأعمال

أو
الصليب و مفهوم جهاد النفس

صوفي علي خطي المسيح



لم تشدني شخصية في تاريخ التصوف الإسلامي مثل شخصية الحسين بن منصور الحلاج شهيد العشق الإلهي. فقد عاش هذا الصوفي المسلم في النصف الأخير من القرن التاسع الميلادي وبداية القرن العاشر (858-922) وتتلمذ على أبرز شيوخ عصره كسهل بن عبد الله التستري، وعمرو بن عثمان المكي، والجنيد، حتى كان ما كان من ذيوع صيته وعِظَم شأنه بسبب سيرته ومجاهداته الشّاقة وكلامه الذي كان يبدو خارجا عما ألفه معاصروه، ثُمَّ نضجه وعمقه وصدقه في بوحه الذي انتهى به إلى محنته الشهيرة من سجن وعذاب وصلب.

وأبرز ما استثارني في هذا الرجل الرباني العظيم مسألتان أساسيتان هما:

1- مجاهدته لنفسه بشكل منهجي فاق المتقدمين والمتأخرين من أهل الزهد والتصوف
2- توسله بحقيقة الصليب كتجَلٍّ أسمى لهذه المجاهدة.
وإذا كنت أركز على هاتين المسألتين فلأنهما يلقيان ضوءاً كاشفا على حقائق عظيمة وعميقة لمستها وأنا أطالع الإنجيل الشريف، ورأيت للأسف الكثيرين من أتباع السيد المسيح- سلامه علينا- لا يعيرونها كبير اهتمام مع أنها حقائق محورية كما سنرى.

هاتان المسألتان يلخصهما خبر هام من أخبار الحلاج رواه شخص اسمه الحسين بن حمدان حيث يقول:

سمعت الحسين (الحلاج) يقول في سوق بغداد:
ألا أبلغ أحبائي بأَنَّني
ركبت البحر وانكسر السفينَهْ
ففي دين الصليب يكون موتي
ولا البطحا أريد ولا المدِينَهْ


فتبعته، فلما دخل داره كبّر يصلي فقرأ الفاتحة والشعراء إلى سورة الروم (...) فلما سلم قلت: يا شيخ تكلمت في السوق بكلمة (...) ثم أقمت القيامة هاهنا في الصلاة، فما قصدك؟ قال: أن تقتل هذه الملعونة، وأشار إلى نفسه


فقول الحلاج: <<أن تقتل هذه الملعونة>> ثم إشارته إلى نفسه تعبير صريح على الأهمية الكبيرة التي كان يوليها لمسألة مجاهدة النفس، أي إخضاعها لعملية ترويض صارمة قصد كبح غرائزها وجماح شهواتها، والتدرج بها في مراتب الزهد حتى تبلغ أعلى المراتب التي هي مرتبة الفناء محبة وعشقا في الذات الإلاهية. والنفس التي يعنيها الحلاج هنا هي الجسد البشري الحي بكل شهواته ونزقه ونزواته ورغائبة التي تشغل النصيب الأوفر من حياة المرء اليومية ولا تفتأ تتناسل وتتكاثر وتتقوى حتى تنتهي باستعباده استعبادا كليا. لذلك نعتها الحلاج بالملعونة وقصد خلال حياته إلى إذلالها وكسر شوكة جبروتها لأنه كان يرى عن صواب أنها تقف حجر عثرة أمام رغبته الملحة في اكتساب الهوية الربانية التي كان يطمح إليها كل زاهد ومتصوف، أي الولادة الجديدة من فوق كما عبر عنها سيدنا المسيح.

من هنا جاء الربط من طرف الحلاج في سياق الخبر أعلاه بين مجاهدة النفس وحقيقة الصليب كما شهد بها في البيتين المذكورين. وهو ما يبين بوضوح تام ومباشر أن الحلاج تعرف بعمق على شخص السيد المسيح- سلامه علينا- وأدرك جوهر رسالته بشكل لا يترك مجالا للمجادلة. أليس هو القائل أيضا:

اقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي
وحياتي في مماتي
أنا عندي محو ذاتي
من أجل المكرمات

وأيضا قوله:

للناس حَجٌّ ولي حَجٌّ إلى سَكَنِي
تُهْدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودَمِي

وكذلك صلاته قبل موته:

<<هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عَنِّي ما سترتَ عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليتُ، فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد>>

الأعمال و النعمة

على أن الكثيرين من أتباع السيد المسيح سلامه علينا- لا يرون أية علاقة بين مفهوم مجاهدة النفس والإيمان برسالة سيدنا عيسى (يسوع). وهم يرفعون كحجة على ذلك مفهوم الخلاص بالنعمة مقابل الخلاص بالأعمال. وهم على صواب فيما يقولون، إذ لا أحد يجادل في عَظمة الخلاص بالنعمة المؤسسة على الإيمان بالسيد المسيح كما جاء على لسان الرسول بولس:

<<أمَّا الآن، فقد أعلن البر الذي يمنحه الله، مستقلا عن الشريعة، ومشهودا له من الشريعة والأنبياء. ذلك البر الذي يمنحه الله على أساس الإيمان بيسوع المسيح لجميع الذين يؤمنون، إذ لا فرق، لأن الجميع قد أخطأوا وهم عاجزون عن بلوغ ما يمجد الله. فهم يبررون مجانا بنعمته، بالفداء بالمسيح يسوع الذي قدمه الله كفَّارة، عن طريق الإيمان، وذلك بدمه>> (رومية، 3: 21-25)



لكن يبدو لي أن هناك نوعا من الإلتباس في هذه المسألة، وهو ما أَدَّى أحيانا كثيرة في نظري إلَى السطحية والسهولة في تناول مفهوم النعمة، إذ المقصود بلا جدوى الأعمال هو بالضبط ما جاء على لسان بولس بخصوص عجز الإنسان على استحقاق الخلاص بواسطة جهده الشخصي <<لأن الجميع قد أخطأوا وهم عاجزون عن بلوغ ما يمجد الله>> بمعنى أن التنصيص على لا جدوى الأعمال كان فقط من جِهة اتخاذها طريق التبرير أي الخلاص. ويمكن أن نتساءل هل الهدف الوحيد للأعمال (و هنا نقصد الأعمال التي لا يخالطها نفاق أو رياء) هو الخلاص فقط؟



إن المقصود من الأعمال أو الممارسات الزهدية المتمثلة في مجاهدة النفس كما مارسها الحلاج ومارسها من قبله الأنبياء والرسل والقديسون والصديقون لم يكن التبرير أو الخلاص بقدر ما كان كما سبق وأسلفت تهذيبا للنفس وتدريبا لها كي تكتسب اللياقة الربانية اللازمة للتواصل مع الذات الإلهية. قد يعيش المؤمن العادي لحظات إشراق خاطفة بين الفينة والأخرى وفي أوقات متباعدة. لكن الذي يدرب نفسه ويكتسب اللياقة الروحية اللازمة يعيش تجربة الإشراق بشكل مستمر. وقد عاش الحلاج هذا التواصل بعمق فادح جعله لا يطيق انقطاعه ولو برهة. فكان يجد ويجتهد في رياضة النفس وتمرينها صباح مساء حتى لا تفقد هويتها الروحية التي تؤهلها لذلك التواصل الرباني العظيم.



<<عن أبي الحسن علي بن أحمد بن مردويه قال: رأيت الحلاج في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح: أيها الناس أغيثوني من الله، ثلاث مرات، فإنه اختطفني مِنِّي وليس يَرُدُّني عَلَيَّ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران فَأكون غائبا محروما. والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصل. فبكى الناس لبكائه (...)>>



والإنجيل الشريف زاخر بالآيات التي تدعو إلى مجاهدة النفس والحث على ذلك. وهو أمر ليس بالغريب، لأن هذه المجاهدة متوقِّعة أشد التوقع وبخاصة من الذين آمنوا بالسيد المسيح، دون سائر البشر لأنه إيمان مؤسس على مركزية مفهوم الصليب كما بشر به السيد المسيح-سلامه علينا- حين قال:

<<إن أراد أحد أن يسير ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فأي من أراد أن يخلص نفسه يخسرها، ولكن من يخسر نفسه لأجلي فإنه يجدها. فماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه>> (متى، 16: 24-25)



الكثير من المؤمنين يحفظون مثل هذه الأقوال عن ظهر قلب لكن كما يحفظون أي مثل شعبي أو كلام شعري جميل. ونحن لا نجادل في جمال كلمات سيدنا المسيح وشعريته العالية إلا أنه ليس شعراً أي ليس اشتغالا على اللغة كما يفعل الشعراء. بل هو كلام مباشر تعني كل كلمة فيه ما تقوله. فعندما يدعو السيد المسيح إلى نكران النفس وخسارتها فهو في الحقيقة يدعو إلى مجاهدتها بكل ما أوتي المرء من قوة. وعندما يدعو إلى الحمل المنهجي للصليب (يحمل صليبه ويتبعني) فهو يدعو إلى صلب (قتل) حقيقي لعادات الجسد السلبية بكل ما يعنيه هذا الصلب من نزع وآلام مبرحة.



وينبغي ألا نستهين بهذه المسألة ونظن أن قتل أو كبح عادات يوميه سلبية ننعتها بالبسيطة كالكذب والنظر بشهوة والتكبر على سبيل المثال لا الحصر، هو أمر سهل كما يحلو لنا أن نتصور، إذ شتان بين التصور النظري والممارسة الفعلية. فقتل عادات تبدو لنا بسيطة كهذه يتطلب صبراً وجَلَداً ومعاناةً لا تقل أهمية عن آية معاناة أخرى. وهو صلب تدريجي مرتبط بالترقي شيئا فشيئا في مستويات ضبط النفس والاشتغال عليها ومجاهدتها حتى يتمكن المرء في الأخير من شَلِّ ميكانيزمات الخطيئة المتجردة في الجسد والارتقاء إلى ذلك الطود الشامخ الذي تحدث عنه الحلاج حين قال متماهيا مع شخص المسيح في تشبيهه (أي الحلاج) نفسه بطفل يتيم له آب يلوذ به. (ولاحظ استعماله لصيغة الآب)

إني ارتقيت إلى طَوْدٍ بلا قدمٍ
له مراقٍ على غيري مصاعيبُ
وخضت بحرا ولم يرسب به قدمي
خاضته روحي وقلبي منه مرعوب
حصباؤه جوهر لم تدن منه يد
لكنه بيد الأفهام منهوبُ
شربت من مائه رياً بغير فم
والماء قد كان بالأفواه مشروبُ
إنّي يتيم ولي آبٌ ألوذ به
قلبي لغيبته ما عشت مكرُوبٌ

وقد كان سيدنا المسيح (سلامه علينا) عارفا كل المعرفة بطبيعة الجسد البشري وتركيبته الغرائزية التي طالما دعا إلى الاشتغال عليها وتطويعها، إذ رأى فيها جوهر الضعف البشري وسبب مآسيه المتكررة عبر التاريخ. لذلك عندما أمر تلاميذه قبيل القبض عليه بالسهر والصلاة حتى لا يدخلوا في تجربة ثم لمس عجزهم لما وجدهم نائمين فقد عَلَّق قائلاً:

<<إن الروح نشيط، أما الجسد فضعيف>>

وكم أتصور عمق الشجن المنبعث من كلمات السيد المسيح-سلامه علينا- وهو ينطق هذه الجملة. على أننا ينبغي ألاَّ نتعامل مع كلمات المسيح هذه كإقرار لوضع لا أمل في تغييره، بل كتنديد بضعف الجسد، وتنبيه لنا كي نحترس من ذلك الضعف، ودعوة لنا كي نتجاوزه، بمعنى الاشتغال على الجسد حتى يستطيع مجاراة نشاط الروح. وذلك لا يتأتى إلاَّ بواسطة التمرين الروحي المُمنهَج، وهو عين ما عبر عنه بولس الرسول بالموت الفعال حين قال:

<<حيثما ذهبنا، نحمل موت يسوع المسيح دائما في أجسادنا لتظهر فيها أيضا حياة يسوع. فمع أننا مازلنا أحياء ً فإننا نسلم دائما إلى الموت من أجل يسوع، لتظهر في أجسادنا الفانية حياة يسوع أيضا.>> (2 كورنتوس 4: 10-11) وأيضا حين قال:

<<الذين صاروا خاصة للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات>> (غلاطية 5: 24)

وأيضا:

\ <<أما أنا فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به أصبح العالم بالنسبة لي مصلوبا، وأنا أصبحت بالنسبة له مصلوبا>> (غلاطية 6: 14)

وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه بطرس حين قال:

<<فيما أن المسيح قد تحمل الآلام الجسمية لأجلكم، سلحوا أنفسكم بالإستعداد دائما لتحمل الآلام. فإن من يتحمل الآلام يكون قد قاطع الخطيئة.>>





سبل مجاهدة النفس:
قد يخلق كلامنا عن مجاهدة النفس وربطها بشخصيات عظيمة مثل الحلاج وبولس وبطرس انطباعا لدى القارئ بأنها ممارسة خاصة بطينه معينة من العظماء. لكن الحقيقة غير ذلك تماما. إذ المجاهدة التي تكلمنا عنها والتي مارسها الصديقون والقديسون والزهاد وحث عليها الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد هي مجاهدة في متناول أي شخص عادي أنعم الله عليه بالهداية. فما سمي الحلاج إلاَّ لكونه كان في الأصل حَلاَّجاً بسيطا للقطن. كما أن كثيرا من الزهاد والمتصوفة كانوا ينتمون إلى عَامَّة الشعب وكثير منهم كانوا يمتهنون مهنا بسيطة. كما أن تلاميذ المسيح كانوا أنفسهم أشخاصا جد بسطاء لا يتميزون بشيء عن باقي الناس. لذلك سنقتصر في المبحث التالي على ذكر بعض أهم أشكال المجاهدة وأكثرها تداولا ومردودية وفائدة. هذه الأشكال هي: الخلوة والصلاة والصوم والذكر.





الخلوة:
تعتبر الخلوة من أهم أشكال مجاهدة النفس. وتتمثل في اختلاء المرء بنفسه وعزوفه لفترة معينة عن الإختلاط بالآخرين وهو ما يتيح له فرصة الوقوف وجها لوجه أمام ذاته والإنصات إليها والتواصل معها. ذلك أن الإنسان لا يملك وسط المجموعة إلاَّ أن يظل مقذوفا خارج ذاته إذا هو أحب العيش في انسجام مع النمادج السلوكية المملاة عليه من طرف تلك المجموعة. الخلوة وحدها تتيح له الانفلات من هذه النمادج السلوكية التي تقف حاجزا بينه وبين الإنصات لنبض ذاته الحميم.



لذلك يمكن القول أن الزمن الذاتي أي زمن الذات في حميميتها هو في حالة صدام متواصل مع الزمن الموضوعي أي زمن المجموعة، سواء كانت هذه المجموعة مجتمعاً، أو أمَّةً، أو قبيلة أو أسرة إلى غير ذلك. وهذا الصدام يحسم في الغالب إن لم نقل دائما لصالح المجموعة على حساب ذات الفرد، فتنكمش بذلك حميمية هذه الأخيرة وتحل محلها الهشاشة والسطحية والابتذال التي هي ميزات إنسان العصر بامتياز.



لكن الخلوة بطبيعتها محفوفة أيضا بمخاطر شتى، لأنها من جهة أخرى تضع المرء في مواجهة ذاته بكل ما يتربص في زوايا هذه الذات من قوى غامضة وما يعتمل فيها من صراعات لا ننتبه إليها في غمرة علائقنا الاجتماعية اليومية. إنها مقام ثقيل ومعبر عسير لا ننفذ منه بسلام إلا إذا نحن اعتصمنا بشخص سيدنا المسيح-سلامه علينا-وجعلناه رفيق خلوتنا الدائم. ففي سيرته العظيمة إسوة لنا وإشارات واضحة في التعامل مع الخلوة كمواجهة حاسمة مع الذات وانتصار مكين على وساوس شياطينها، فبعد أن تعمّد سيدنا عيسى على يد يوحنا المعمدان صعد به الروح إلى البرِّية ليجرب، <<وبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة، جاع أخيرا فتقدم إليه المجرب وقال له: إن كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تتحول إلى خبز. فأجابه قائلا: قد كتب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على حافة سطح الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله، فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه قد كتب يوصي ملائكته بك، فيحملونك على أيديهم لكي لا تصدم قدمك بحجر! فقال له يسوع: وقد كتب أيضا: لاتجرب الرب إلهك. ثم أخذه إبليس أيضا إلى قمة جبل عالٍ جِدًّا، وأراه جميع ممالك العالم وعظمتها، وقال له: أعطيك هذه كلها إن جثوت وسجدت لي. فقال له يسوع: اذهب يا شيطان! فقد كتب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد! فتركه إبليس، وإذا بعض الملائكة جاءوا إليه وأخذوا يخدمونه>>



وكثيرا ما كان السيد المسيح-سلامه علينا ينشد الخلوة ليسهر ويصلي حيث نقرأ في الإنجيل آياتٍ مثل

<<وفي اليوم التالي، نهض باكراً قبل الفجر، وخرج إلى مكان مقفر وأخذ يصلي>> مرقس 1: 35

وأيضا:

<<وفي الحال ألزم تلاميذه أن يركبوا القارب ويسبقوه إلى الضفة المقابلة، إلى بيت صيدا، ريثما يصرف الجمع. وبعد أن صرفهم ذهب إلى الجبل ليصَلي>> (مرقس 6: 45)

إن الخلوة تطهر قلب الإنسان المعتصم بالله في عيسى المسيح، فيفيض رضوان الله عليه وتشرق روحه وتنكشف أمامه أسرار الملكوت، لذلك على المرء أن يقتطع من وقته اليومي مساحة كافية للخلوة بنفسه يتدبر فيها أمر روحه ويتفكر في عظمة الخالق وقدرته وترفقه الدائم بخليقته. فذلك يكسبه على مر الأيام مناعة ضد الوساوس الشيطانية والآثام والتجارب.



الصلاة:
الصلاة في اللغة هي الدعاء والتسبيح. وهي توأم الخلوة. بها ندخل في علاقة مباشرة مع الله تعالى نكلمه ونتواصل سرًّا وجهرا معه. إنها غاية الغايات، إذ ليس شيء أهم من الاتجاه مباشرة إلى الله قلبا وروحا وعقلا والتحدث إليه بخضوع وضراعة واشتياق وإخلاص. هي التجسيد الأمثل لأولى الوصايا المقدسة: <<أحب الرب إلهك بكل قلبك وبكل نفسك وبكل فكرك وبكل قوتك>> (مرقس 12: 29)



وللصلاة فوائد عظيمة جدًّا لو أدركها الخلق لما توانوا لحظة عن الوقوف بين يدي الخالق، ولتسابقوا إلى ذلك، واجتهدوا فيه اجتهادا. فيكفي أن السيد المسيح-سلامه علينا- أمر تلاميذه الحواريين في آخر لحظات حياته على الأرض بان يسهروا ويُصَلُّوا لكي لا يدخلوا في تجربة. (لوقا 22: 40). كما أوصى بولس الرسول المؤمنين بأن يُصَلُّوا دون انقطاع، ويرفعوا الشكر في كل حال. (1 تسالونيكي 5: 17). وقد قال لهم أيضا:

<<إن الرب قريب. لا تقلقوا من جهة شيء. بل في كل أمر لتكن طلباتكم معروفة لدى الله. بالصلاة والدعاء مع الشكر>> (فيلبِّي 4: 5-6)



وخير الصلاة ما استلهم نمودج الصلاة التي لقنها سيدنا المسيح تلاميذه الحواريين في متى 6: 9-13 ولوقا 11: 2-4. وهي صلاة ينبغي النظر إليها كنمودج يحتذى لا كصيغة جاهزة فقط نَنْكَبُّ على تكرارها، لأن المسيح -سلامه علينا- كان لا يرضى على مثل هذه الممارسات، إذ قال:

<<عندما تصلون، لا تكرروا كلاماً فارغا كما يفعل الوثنيون. ظَنًّا منهم أنه بالإكثار من الكلام يستجاب لهم>> (متى 6:7)

الصلاة الربانية ليست كلاما فارغا بالطبع. كما أن كل كلام هو ليس فارغا في ذاته من حيث هو كلام يؤدي وظيفة معينة. ولكن طرق استعمال الكلام هي التي تفرغه من محتواه. وقد ذكر السيد المسيح مسألة التكرار كعادة تفرغ الكلمات من حمولتها وتحيلها إلى أصوات لا معنى لها.



يمكن القول أن الصلاة الربانية كما هي مذكورة في متى و لوقا تشمل خمسة عناصر يستحسن الحرص على استيفائها خلال كل صلاة وهي:



1-التسبيح لله( أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك) وذلك بتقديسه وتمجيده وذكر أسمائه والتفكر في معانيها. فحتى أي شخص عادي نحترمه لا نبادره بالكلام دون أن نفتتح كلامنا بصيغة احترام لشخصه( يا سيدي، يا مولانا، يا شريف إلخ) حسب صيغ الاحترام في كل ثقافة وبلد.



2- الاعتصام بملكوت الله، واستعجال إعلانه (ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) وذلك بالتماس العون للعمل على تحقيق هذا الملكوت فوق الأرض هنا والآن. كيف ذلك؟ نعلم أن حياة المرء اليومية موزعة بين عدة ممالك تطالبه في كل لحظة بالولاء. هذه الممالك هي السُلط الأرضية كالجاه والمال والقيم الإجتماعية الزائلة والملذات وغير ذلك. لذلك في الصلاة نلتمس العون باستمرار من الله تعالى لكي يساعدنا على زحزحة هذه الممالك وإحلال ملكوت واحد محلها هو ملكوت الله الذي تشرق طلائع نوره حين نعمل حسب مشيئته.



3* 3-التماس الحاجات اليومية (خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم) التركيز هنا على الكفاف اليومي دون الانشغال بما قد يحمله الغد. وذلك تعبير على الثقة المطلقة التي يجب أن يضعها المصلِّي في قدرة الله تعالى على تدبير رزقه وقضاء كل حاجاته اليومية.



4*4- الاستغفار. (اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضا نغفر لكل من يذنب إلينا) وهو اعتراف ضمني بكل الخطايا المقترفه وبالطبيعة البشرية الخاطئة، والتماس الغفران والصفح باستمرار من الله تعالى. و لا يتم ذلك إلا إذا تعلمنا نحن الغفران لجميع المسيئين إلينا، والصفح عل من أذنب إلينا حتى نضفي المصداقية على طِلبَتِنا، إذ لا يعقل أن نلتمس شيئا ونفعل ضِدَّه. والحكمة في مداومة الاستغفار هو التطهير المنهجي للقلب من كل مشاعر الغل والضغينة والنقمة المتجدرة فيه.



5* 5- التماس اللطف من الله تعالى. (لا تدخلنا في تجربة ونَجِّنا من الشرير) وذلك حتى يقينا التجارب والعثرات. وهو اعتراف ضمني بالضعف البشري، واستصغار لشأن النفس الآيلة في كل لحظة للسقوط. وفي ذلك ما فيه من تمجيد لله على قدرته وحده في اللطف بالخلق وحفظهم والترفق بهم.



الصوم:
الصوم هو الإمساك. وفي التعريف الإسلامي هو الامتناع عن شهوتي البطن والفرج. وهو تعريف شامل يمكن اعتماده في هذا المقام، إذ الصوم حسب هذا التعريف هو منطقيا الإمساك عن كل الشهوات الجسدية. وفي ذلك أكثر من حكمة ربَّانية أهمّها في نظري اكتشاف الإنسان لما يمكن أن نسميه <<جسَدِيَّةَ الجسد>> أي هويته المادية المرتبطة بالمأكل والمشرب والجنس، أي اكتشاف كم أن مشاعر السلام والفرح والراحة مرتبطة بتلبية هذه الرغائب المادية. وفي ذلك للمتأمل ما فيه مِنْ إِرْبَاكٍ لإنسانية الإنسان الذي لا يفتأ يفتخر ويؤكد على تميزه عن الحيوان. هكذا يضع الصوم الإنسان وجها لوجه أمام هويتَه الحيوانية في وقوفه بالملموس أمام عبوديته للمأكل والمشرب والشهوات.



لكن بموازاة مع هذا الاكتشاف يطل الإنسان على بعد هام من أبعاده المنسية هو البعد الروحاني، ويكتشف وجود مصادر أخرى للسلام والفرح والراحة مختلفة تمام الاختلاف عن المصادر المادية الآنفة الذكر.



وإذا كان الإسلام حدد موعدا للصوم هو شهر رمضان من كل عام وحدد وقت الإمساك من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، فإن الكثير من الزهاد المسلمين ذهبوا أبعد من ذلك حيث نذروا أغلب أيام حياتهم للصوم. مثلهم في ذلك مثل الكثير من الزهاد المسيحيين كالقديس أنطوني الذي كان يكتفي لفترات طويلة بالعيش على قليل من الخبز والماء. وهو نظام غذائي صارم يذكرنا بالنظام الصارم الذي فرضه الحلاج على نفسه لفترة طويلة فعن أبي يعقوب النهر جوري قال:

<<دخل الحلاج مكة أول دخلة وجلس في صحن المسجد لم يبرح من موضعه إلا للطهارة والطواف ولم يحترز من الشمس ولا من المطر. وكان يحمل إليه في كل عشية كوز ماء وقرص من أقراص مكة، وكان عند الصباح يُرى القرص على رأس الكوز وقد عض منه ثلاث عضات أو أربعاً. فيحمل من عنده>>



إلا أن أعظم نموذج رباني للصوم على الإطلاق يظل نموذج السيد المسيح-سلامه علينا- الذي نقرأ في الإنجيل الشريف أنه صام أربعين نهارا وأربعين ليلة، ثم إذ جاع قال له المجرب إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تتحول إلى خبز!، فأجابه قائلا: قد كتب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله>> (متى 4: 2-3) و هذا هو التجلي الأمثل والملموس لحكمة الصوم. ذلك أن كل من مارس الصوم بحقٍّ يدرك مغزى وعمق كلمات السيد المسيح عن الحياة بكل كلمة تخرج من فم الله. هذه الحياة هي الهوية الروحانية التي تظل عادة مطمورة تحت ركام الرغبات المادية اللا محدودة. وهو المعنى الذي رمى إليه السيد المسيح-سلامه علينا- حين أجاب تلاميذه الحواريين:

<<عندي طعام آكله لا تعرفونه أنتم>> (يوحنا 4: 32)



وهو المعنى الذي أكده بولس الرسول بصورة غير مباشرة حين حذر مؤمني فيلبِّي من الذين <<هم أعداء لصليب المسيح، الذين مصيرهم الهلاك، وإلههم بطونهم، ومفخرتهم في عيبتهم. وفكرهم منصرف إلى الأمور الأرضية. أما نحن فإن وطننا في السماوات>> (فيلبِّي 3: 18-20)



الذِّكْر:

الذكر هو ببساطة ذكر الله تعالى خفية وجهراً وتذكره باستمرار في أسمائه وخلقه وكتبه. وهو شقيق الصلاة والخلوة. والزبور (المزامير) حافل بالآيات التي تحث على الذكر وتبين فضائلهُ العظيمة كما خبرها داود وغيره من الصديقين، حيث نقرأ آيات مثل <<في بواكير الصباح تصغي إلى صوتي يا رب، وفي الصباح أتوجه إليك منظراً إِيّاك>> (مزامير 5:3) و <<عندما أتأمل سماواتك التي أبدعتها أصابعك، والقمر والنجوم التي رتبت مداراتها أسائل نفسي: من هو الانسان حتى تهتم به؟>> (مزامير 8: 3-4) و <<أحمد الرب بكل قلبي، أحدث بجميع معجزاتك. أفرح بك وأبتهج. أرنِّم لاسمك أيها العلي>> (مزامير 9: 1-2) وغيرها من الآيات العجيبة.



ومن الذكر التسبيح لله تعالى وتمجيده وتقديسه، حيث أن للأنبياء والزهاد والمتصوفة والقديسين صيغ عظيمة في ذلك يمكن الاستئناس والتوسل بها، والنسج على منوالها. كما أن المواظبة على ذكر أسماء الله المذكورة في التوراة والإنجيل الشريفين مطلوبة في هذا المقام وعلى رأس هذه الأسماء اسم الآب أو <<أبانا الذي في السماوات>> الذي ذهب البعض إلى حد اعتباره اسم الله الأعظم الذي ما دعا به أحد إلا استجيب دعوته.



كما يمكن التسبيح أيضا بواسطة أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين المذكورة في القرآن الكريم وتدبر معانيها ففيها إغناء لرصيدنا الروحاني وتعميق لرسالة المسيح: <<ما جئت لأُلْغِي، بل لأُكَمِّل>> (متى 5:7)

على أن هناك من المسيحيين من يستنكف عن ذكر أسماء الله الحسنى الإسلامية متحجِّجاً باعتراضه على أسماء مثل المتكبر والمنتقم والضار وغيرها. لكن الله هو بالفعل متكبر و لا يمكن أن نتصور الكبرياء لسواه.إنه تعالى العظيم المتنزه المتفرد وحده بالعظمة و الكبرياء. ومن يعترض على هذا الاسم كمن ينازعه تعالى في كبريائه وعظمته. والتاريخ حافل بأمثلة البشر الذين نازعوا الله تعالى في كبريائه وعظمته فقصمهم. وهو الضَارُّ كذلك (هذا الاسم يذكر متبوعا بالاسم الذي يليه وهو النافع) ومعناه المقدر الضرر لمن أراد كيفما أراد، يُفقر ويُمْرضُ، ويشقي ويُحْرم على مقتضى حكمته ومشيئته. المقدر كل شيء هو وحده المُسَخِّر لأسباب الضر إِمَّا بلاء لتكفير الذنوب أو ابتلاء لرفع الدرجات وذكر هذا الاسم تعبير عن الرضى بقضاء الله والصبر على بلائه. (انظر سفر أيوب)

وهو المنتقم كذلك بمعنى الذي يقصم ظهور الطغاة وينصف المستضعفين مما يحصل لهم منن طرف هؤلاء الطغاة. وهو أيضا تعبير عن عظمة الخالق وتحذير من غضبه. ألم يقل تعالى في التوراة الشريفة <<أنا الرب إلهك، إله غيور أفتقد آثام الآباء في البنين حتى الجيل الثالث والرابع من مبغضي وأبدي إحسانا نحو ألوفٍ من مُحِبِّي>> (خروج 20: 5-6). وستجد في ملحق هذه الدراسة قائمة بكل الأسماء الحسنى.

ويدخل في باب الذكر أيضا قراءة الكتاب المقدس وتدبر معانيه والاستعانة في ذلك بالتفاسير والكتب الدينية المختلفة. لكن ينبغي خلال كل ذلك عدم الكَفِّ عن التوسل بشخص عيسى المسيح والتأمل في آياته ومعجزاته التي أبهرت العالم وأعظمها آية موته وقيامته. لأن التوسل بشخصه خلال الذكر يشبه دخول بيت من بابه لأنه-سلامه علينا- تكملة الحلقة التي ابتدأت بخطيئة آدم وانتهت بحمله هو كل الخطايا. أليس هو القائل: <<أنا الباب، من دخل بي يخلص، فيدخل ويخرج ويجد المرعى. السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك. أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وتكون لهم فياضة>> (يوحنا 10: 9-11)

-------------