باب الشجاعة الضيق الواسع

نادر عبد الأمير

لا يختلف اثنان أن وجود الإنسان على الأرض كان منذ أن وعى بهذا الوجود محفوفا بالمخاطر منذ ولادته إلى ساعة موته. فالكوارث الطبيعية والحروب والأمراض والأوبئة والعداوات والشر بكل أنواعه ليست وليدة اليوم. قد تختلف أساليب الشر من زمن إلى آخر ولكن الشر واحد. ولقد تميز وجود الإنسان على مر العصور باكتشاف الوسائل القمينة بجعله يتغلب على كل المصاعب والتحديات التي تواجهه، وما اختلاف المجتمعات والناس في درجة نجاحهم أو فشلهم في التغلب على تلك التحديات إلا اختلاف في أساليب التحمل والمواجهة.

لذلك كانت هذه المسألة محورية في رسالة الله تعالى لنا، فهو لم يتركنا نتخبط خبط عشواء في مواجهة مصيرنا على الأرض، بل هدانا إلى سبل القيام بذلك من خلال تعاليمه وأمثاله وأنبيائه، فجاء تعليمه عن فضيلة الشجاعة فعالا ناجعا وشاملا حيث نجد في الكتاب عدة إشارات إلى فضيلة الشجاعة بكونها ككل الفضائل وسط بين طرفين متقابلين متناقضين هما الخوف من جهة والاندفاع أو التهور من جهة ثانية. وهو الأمر الذي يؤكده الفلاسفة أيضا في تعريف ماهيات الفضائل كوسط بين طرفي نقيض. فالشجاعة هي بهذا المعنى القدرة على ضبط السلوك في مواجهة هاتين الحالتين: حالة الخوف أوّلا ثم حالة الاندفاع المتهور لمواجهته. فدور فضيلة الشجاعة هو حثنا على تجاوز حالة الخوف أمام عقبة أو صعوبة أو شر، وفي نفس الوقت ضبط النفس وثنيها عن الارتماء بين فكّي الشر أو العدو بشكل غير معقول وبلا طائل لا تحمد غالبا عقباه.

ولذلك أيضا لم يعلمنا الكتاب أن نعيش دائما في حالة قلق وتشنج وعدوانية وانغلاق تحسبا لهجوم محتمل، بل علمنا من خلال السيد المسيح أن نكون مثله وديعين منبسطين هادئين مطمئنين وأيضا شجعانا في آن واحد. إذ الوداعة في الكتاب لا تقصي أبدا الشجاعة بل تلازمها كأختها التوأم. من لم يقرأ بإعجاب هذا الوصف للسيد المسيح المأخوذ عن إشعياء في إنجيل متى؟: «هَا هُوَ فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي! سَأَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ، فَيُعْلِنُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. لَا يُخَاصِمُ وَلا يَصْرُخُ، وَلا يَسْمَعُ أَحَدٌ صَوْتَهُ فِي الشَّوَارِعِ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَكْسِرُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَا يُطْفِئُ، حَتَّى يَقُودَ الْعَدْلَ إِلى النَّصْرِ، وَعَلَى اسْمِهِ تُعَلِّقُ الأُمَمُ رَجَاءَهَا!» (متى 12: 18ـ 20). هل هناك من وصف للوداعة أبلغ من هذا؟. أليس هذا ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المؤمن؟. على أن تلك الوداعة لا تعني الخنوع والسكوت عن الباطل لأن هذا المسيح الوديع هو نفسه الشخص الذي بعد ذلك في نفس الإنجيل «دَخَلَ (…) الْهَيْكَلَ، وَطَرَدَ مِنْ سَاحَتِهِ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ؛ وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَمَقَاعِدَ بَاعَةِ الْحَمَامِ وَقَالَ لَهُمْ: ‹مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتاً لِلصَّلاَةِ يُدْعَى. أَمَّا أَنْتُمْ فَجَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ›» (متى 21: 12ـ 13)، كما كان السيد المسيح مع كل وداعته حازما قويا في مقارعته وتأنيبه للفريسيين، وأيضا تلاميذه أحيانا. وقد اتبعه التلاميذ والرسل من بعده في وداعته وشجاعته، فلم يصمتوا رغم وداعتهم المشهود لها عن قول الحق كما فعل بولس كثيرا حيث توجه في أحد مواقفه لبطرس نفسه قائلا قدام الجميع: «إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميًا لا يهوديًا، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا» (غلاطية 2: 14).

هذا دون الحديث عن موقف السيد المسيح سواء خلال محاكمته أو أثناء اقتياده إلى الصليب، وكذلك مواقف التلاميذ والرسل في مواجهة الموت الذي واجهوه بكل عزم وصبر وثقة في وعود الرب لهذا السبب بقيت قصص الشهداء في سبيل رسالة السيد المسيح أمثلة قوية ورائعة للتحلي بالشجاعة والثبات على الإيمان والحق حتى في أحلك وأخطر لحظات الحياة. وهو عين ما عناه السيد المسيح حين تحدث عن الطريق الضيق والواسع في آن واحد حين قال: «ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي الى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه» (متى 7: 13ـ 14)