حدود الحرية

نادر عبد الأمير

تجمع كل الأديان، وبخاصّة المسيحيّة والإسلام، على أنّ هدف الدين هو أولا خدمة الإنسان وحفظ كرامته. فالدين أتى لخدمة الإنسان وليس العكس أي الإنسان لخدمة الدين. أليس الإنسان سابقا على الدين. كما أن الإنسان وُعد الخلود دون سائر المخلوقات، وهذا سبب تميزه عن بقية المخلوقات، لكونه «صورة الله ومثاله» (التكوين 1: 26) أو «خليفة الله في الأرض» (سورة البقرة، 30). من هنا نتساءل ما هي يا ترى السمات البادية البديهية التي تميّز الإنسان عن غيره المخلوقات. سوف نجد ان ما يميز الإنسان هو العقل وحرية الاختيار. فالله تعالى خلق الإنسان حرّاً، وخيّره المشي بين طريقين، الخير أو الشر. وهذا هو رأي الكتاب الذي يتفق حوله كل المؤمنين، أي أن أن الحرّيّة والعقل هما صورة الله في الإنسان. وما قصّة سقوط آدم إلّا دليل على مدى احترام الله لحرّيّة آدم أو الإنسان بصفة عامة وخياراته.

ونحن إذا تأملنا مليا الكتاب المقدس، وتدبرنا مسألة استخلاف الله للإنسان في الأرض، سنجد أن هذا الموقف من الحرّيّة ينبني أساسا على مبدأ الخير العام والبرّ والمحبّة والرحمة والسلام، وكلّ الفضائل والقيم الأخرى المرتبطة بمبدأ الخير العام، وكل ما يؤدي إلى الرفع من قيمة وكرامة الإنسان في أفق جعله أكثر سعادة. وبيت القصيد هنا هو أن كل شيء يحط من قيمة وكرامة وإنسانية الإنسان ويورثه الشقاء هو غير مقبول أخلاقيا. الإنسان وكرامته هو المقياس العظيم لرفض أو قبول أيّ شيء.

بناء على ما سبق يمكن القول أن لا حدود ولا قيود للحرّية في رسالة المسيح إلّا في ما يسيء إلى الإنسان وخيره. فالمقياس الأعلى لممارسة الإنسان حريته إنّما يكمن في مدى احترام إنسانيّة الإنسان والحفاظ على الخير العام والبر والمحبة والسلام. وحد ممارسة الحرّيّة هو عندما نستخدمها لممارسة الخطايا وارتكاب الكبائر والمعاصي. فهذا بولس الرسول بعد أن يذكر أهل غلاطية بأنّ المسيح قد حرّرهم يحذرهم في رسالته إليهم بقوله: «فإنّكم إنّما دعيتم للحرّيّة أيّها الإخوة، على أن لا تجعلوا هذه الحرّيّة فرصةً لإرضاء الجسد» (5: 13). وهذا ما يجعلنا أيضا نقول أنّ الحرّيّة مرتبطة أساسا بالحقّ والصدق والاستقامة في التفكير وفي الحياة مصداقا لقول السيد المسيح: «تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم» (يوحنّا 8: 32)

كذلك لا تؤمن المسيحيّة بالقدرية التي تجعل الإنسان مستسلماً للقدر كورقة في مهب الريح. فمثل هذا التفكير يجعل البعض يعتقد أو يخيل له أن الله هو المسؤول الوحيد عن كل ما يقع في العالم من مآس وويلات كالحروب والدمار والظلم والقهر، وأن لا حول ولا قوة للإنسان في مواجهة ذلك. على العكس من ذلك تماماً، تؤمن المسيحيّة بأن الإنسان يمتلك زمام حريته وانه كامل القدرة على الاختيار، ومن ثمة مسؤوليته عن كل ما يفعله.

هذا يذكرنا بقول مارتن لوثر كينغ في حربه الشعواء ضد العنصرية في أمريكا  «هل علينا أن ننتهي إلى الاعتقاد أنّ التمييز العنصريّ هو من صلب المشيئة الإلهية، فننقاد بذلك إلى الخضوع للقهر؟ كلا بتاتا. لأنّ ذلك إنّما هو تلفيق أكاذيب إلى الله وما ذلك الاعتقاد إلا من الشيطان» وكأني بمارتن لوثر كينغ هنا يحذر العنصري المحسوب على المسيحية أن كلّ مسّ بحرّيّة الإنسان إنما هو مسّ بشخص الله تعالى. ومن ثمة تكللت حركة لوثر كينغ بالنصر لأنها حركة من أجل الحرية كانت تتوخى الخير العام للبشرية. وإذن فليكن في ذلك عبرة وقدوة لنا جميعا.