المجد الأرضي والمجد السماوي

نادر عبد الأمير

تحدث الكثيرون عن المجد وافتتن به الكثيرون وسعى الكثيرون وراءه، لكن القليلين منهم أدركوا أن كل مجد إنما مصدره الله وليس الأرض أو الإنسان أو مصنوعات الإنسان وإبداعاته. فالمجد هو النوع الأسمى من الجمال والبهاء والوهج الذي يستقر على الأشياء ويمنحها طاقة الجذب القوية التي تأخذ بألباب الناس. من هنا نفهم تنبيه الكتاب المقدس لنا في أكثر من موقع إلى عدم الانسياق وراء مجد الأشياء الأرضية سواء كانت جمالا مهيبا في الطبيعة أو سلطة دنيوية أو إبداعا ما، لأن هذه الأشياء مآلها التلاشي والزوال، وسوف نشعر حتما بالخيبة العظيمة إذا ربطنا المجد بها ربطا عضويا. وهي الفكرة التي تضمنها المزمور 49 بالقول: "لا تَخْشَ إِذَا اسْتَغْنَى إِنْسَانٌ، إِذَا زَادَ مَجْدُ بَيْتِهِ.لأَنَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلَّهُ لاَ يَأْخُذُ. لاَ يَنْزِلُ وَرَاءَهُ مَجْدُهُ." (مزمور 49: 17) ومفاد الفكرة أن المجد لا يمحي من الوجود عند موت إي إنسان عاش ممجدا لأن مصدر المجد سماوي لا أرضي وغير مشروط بما هو أرضي. ومن ثم نخلص إلا أن كل مجد أينما تجلى ما هو إلا مجد الله، سواء تجلى ذلك المجد في مشهد طبيعي أو موسيقى أو لوحة أو شخص أو وجه بشري أو غيره.

إلا أن كل مجد أينما تجلى ما هو إلا مجد الله

وسماوية المجد أي صدوره عن ذات الله تعالى هي أصل الفكرة التي نسمع كثيرا المؤمنين يرددونها عن الموت بما هو "إنتقال إلى المجد" وهي العبارة المأخوذة من المزمور 73 "وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي". ذلك أن الإنسان المؤمن عندما يموت يؤخذ إلى حضرة الله وهناك يجد نفسه محاطا من كل جانب بمجد الله دونما حاجة إلى وسيط مادي يظهر له ذلك المجد كما هو الحال على الأرض مصداقا لما قاله الرسول بولس في كورنثوس الأولى 13: 12 "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ" ( كورنثوس الأولى 13: 12)
خلاصة القول مما سلف ذكره هو أن مجد الله ثابت لا يزول، ونشاهده مرارا عديدة وربما في اليوم الواحد خلال مقامنا على الأرض، وذلك من خلال المشاهد الموحية بالجمال والعظمة التي نراها حولنا سواء في شخص أو قطعة فن أو مجرد فكرة رائعة تخطر ببالنا كما سلف الذكر. لكن علينا في النهاية أن ننفذ من الغشاء المادي للمجد مجسدا في الأشياء إلى جوهر المجد الذي يرجع جميعا لله. وطريقنا الوحيد لله كما يقول الكتاب هو من خلال سيدنا عيسى المسيح كلمته التي أخبر بها عن نفسه مجسدا فيه، لأن أعظم تعبير في الحقيقة عن مجد الله هو شخص سيدنا عيسى المسيح الذي عاش على الأرض في حالة من الكمال المطلق كما وصفه يوحنا حين قال "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14). وأيضا قوله لدى صلبه "قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ"، ثم سؤال سيدنا عيسى: "أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ! فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا" (يوحنا 17: 4)