عشاق الله

الغفران ولادة جديدة

نادر عبد الأمير

مثلما الخطيئة في المسيحية تختلف عنها في الإسلام، كذلك مفهوم الغفران يختلف في المسيحية عنه في الإسلام بشكل جذري. ذلك أن قوام الغفران في المسيحية ليس الأعمال ولا الحسنات كما في الإسلام. بل هو حسب الإنجيل قائم على أساس الفعل العظيم الذي فعله الله تعالى من أجلنا من خلال شخص سيدنا عيسى المسيح. وهو الفعل الذي تمثل في ولادة المسيح المعجزة وموته على الصليب ثم بعد ذلك قيامته من الأموات. لكن الهدف من ذلك الفعل لم يكن غفران خطايا الإنسان فقط بل تغيير الطبيعة البشرية بشكل جذري من الداخل، بحيث يغدو المؤمن بالمسيح خلقا وإنسانا جديدا.

ونحن محتاجون لهذا التغيير في طبيعتنا البشرية، لأن الإنسان في طبيعته البشرية الناقصة لا يستطيع ولا يجوز له الوقوف أمام الله القدوس الكامل مهما كملت العبادات والمعاملات وتعددت الحسنات. وذلك مصداقا لقول الكتاب المقدس: «وقد صرنا كلنا كنجس، وكثوب عدة (خرق بالية) كل أعمال برنا.» (إشعياء 64: 4) فمن يحاول الوقوف أمام الله بحسناته قصد نوال غفرانه ورضاه إنما لا يفعل سوى تقديم حسنات صادرة عن طبيعة ساقطة ولذلك فهي ملوثة، ولن يقبلها الله القدوس، البار. قكل من يحسب أن الله يقبل الحسنات والأعمال الصادرة عن طبيعة قذرة إنما هو مخطئ ولا معرفة له بعمق قداسة رب العالمين، لأن الله قد حكم في كتابه المقدس حكما قاطعا أن جزاء الخطيئة مهما كانت صغيرة أو كبيرة هو الموت، بحيث ما من صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج ولا صدقات ولا جهاد ولا وضوء يستطيع المساعدة على غفرانها .

لكن الإنجيل يعلمنا أن الله يمكن أن يغفر لنا خطايانا ومعاصينا ويقبل حسناتنا إذا قمنا أولا بتغيير طبيعتنا الساقطة وتطهيرها بشكل جذري. لأن حسناتنا حينئذ تكون صادرة عن طبيعة طاهرة ونقية. السؤال هو كيفية التغيير الجذري لطبيعتنا البشرية. والجواب هو أن الطريقة الوحيدة للنجاة هي أن يتم افتداؤنا. لكن من يستطيع ذلك؟ هل هناك مخلوق أو إنسان كامل الصلاح يكون جديرا بأن يفدي البشرية جمعاء؟. كل إنسان ولد من امرأة ورجل هو ذو طبيعة فاسدة ساقطة قد ورثها عن آدم، لذلك لا يوجد بشر يستطيع أن يفي بعدالة الله. فمن يفدي؟ قبل الجواب على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى صفة أخرى من صفات الله ذات علاقة وثيقة بالفداء والغفران وهي صفة المحبة. فالله قدوس وكامل العدل، لكنه محب وودود أيضا. فرغم سقوط آدم ونسله، إلا ان الله بطبيعته وكنه صفاته تعالى أحبه، فكان لا بد للعدالة أن تعانق الرحمة بطريقة واحدة لا طريق سواها هي الفداء.

وكان لا بد أن يتم الفداء بواسطة الشخص الوحيد الذي يمكن أن تتوفر فيه الشروط للوفاء بقداسة الله وعدله ومحبته وهو سيدنا عيسى المسيح، لانه هو الوحيد الذي يتصف بالكمال التام من دون سائر البشر بما في ذلك الأنبياء.

لكن ماذا بعد الغفران واكتسابنا طبيعة جديدة؟ هل نبقى نخطئ ونطلب الغفران كل وقت؟ هل نبقى كما كنا عبيدا للخطيئة نقترف الذنوب ثم نأتي ضارعين أمام الله طالبين غفرانه؟ طبعا لا. فبعد حصولنا على الغفران بواسطة سيدنا عيسى المسيح لا نبقى عبيدا للخطيئة للخطية بل أحرارا منها لا سلطان لها علينا، مصداقا لقول الإنجيل: «فماذا نقول أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة (الرحمة) حاشا. نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدُفنا معه بالمعمودية للموت. لأنه كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الله هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد للخطية.» (رومية 6: 1-6). لذلك لا يحتاج المؤمن بالمسيح أن يخطيء ثم يطلب المغفرة حتى يغفر له الله برحمته لأن حصل على الغفران بواسطة إيمانه بفعل المسيح الكفاري عنه. أما إن وقع المؤمن عرضا في الخطيئة فشفاعة المسيح القائمة على عمله الكفاري تكفي للغفران مصداقا أيضا لما جاء في الإنجيل: «يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا العالم أيضا.» (يوحنا الأولى 2: 1-2).

وبهذه الطبيعة الجديدة نختبر عمق الغفران ونمتلئ محبة لبعضنا البعض قادرين بصدق وشجاعة نحن أيضا على غفران أخطاء وزلات بعضنا البعض.