الحرية في المسيح

نادر عبد الأمير

لا أحد ينكر أن أحد أهم الأخبار السارة للإنجيل الشريف هي التبشير بالحرية وإعلانه لها ورفضه لكل أشكال العبودية، فالسيد المسيح أعطانا رسالته لكي نصير أحراراً (غلاطية 5: 1)، وهو المقيم بحق عهد الحريَّة الكاملة والمطلقة لكلِّ من إتَّحد به إيمانا ومحبة من الكل الأعراق والأجناس والشعوب. فليس من شخص يَتحرَّر بشكل كامل من ضعفه أو تهميشه أو عبوديته إلا من خلال السيد المسيح المثل الأعلى والمُعلِّم والمُخلِّص والمُعطي حياة جديدة. لقد كان الإنجيل دائما خلال التاريخ البشري خميرة الخلاص والحرية، ولا يزال حتى يومنا هذا.

فما معنى الحريَّة في المسيح؟ " لأنَّ الربَّ هو الروح، وحيث يكون روح الربّ تكون الحريَّة" (2 كورنثوس 3: 17). طبعا للحريَّة في المسيح تمثلات على المستوى الاجتماعي، إلاّ أنَّها تقوم على ما هو أسمى من ذلك، لأنها حرية ميسورة المنال لكل إنسان سواء كان عبدا أو حرا، فهي تفترض أساسا تغيير الحالة التي وجد عليها المرء ''فإن كنت عبداً حين دُعيت فلا تُبال، ولو كان بوسعك أن تصير حرّاً، فالأولى بك أن تستفيد من حالك، لأنَّه مَنْ دُعي في الربِّ وهو عبد كان عتيق الربِّ" (1كورنثوس 7: 21). ففي عالم يرى الحرية المدنية هي الأساس لكرامة، يبدو مفهوم هذه الحريَّة المسيحية أمراً لاعقلانيا بل يتناقض مع العقل. لكن من خلال هذا الشكل، ظهرت جلية قيمة الحرية الجذرية التي قدمها لنا المسيح.

الحرية في المسيح تعني التحرر من:

  1. الخطيئة: ''لقد نجّانا الله من سلطان الظلمات، ونقلنا إلى ملكوت إبنه الحبيب، فكان به الفداء وغفران الخطايا'' (كولسي1: 13-14). الخطيئة هي السلطان الكاسر التي انتزعنا السيد المسيح من براثنه، كما أن الحريَّة التي قدمها لنا المسيح في الروح القدس أعادت لنا من جديد القدرة التي انتزعتها الخطيئة، والتي تتمثل في محبة الله فوق كلّ شيء والبقاء في صلة متواصلة معه. لقد تَحرّرنا من محبَّة ذواتنا وأنانيتنا، وازدرائنا للآخر، ومن علاقات استعباد الناس. يُعلن الرسول بولس أنَّ ''المسيح قد حَرَّرَنا لنكون أحراراً'' (غلاطية 5: 1). لذلك علينا الصبر والصمود حتى لا نقع من جديد تحت سلطان العبودية ''تعرفون الحقَّ والحقّ يُحرِّركم… مَنْ يرتكب الخطيئة يكون عبداً، والعبد لا يقيم في البيت للأبد، بل الابن يقيم للأبد، فإذا حَرَّركم الإبن صرتم أحراراً حقاً''. ( يوحنا 8: 32-36)
  2. الهلاك: "ليس من هلاك للذين هم في يسوع المسيح لأنَّ شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حرّرتني من شريعة الخطيئة والموت'' (رومية8: 1-2). لقد تمَّ دحر الموت بما هو توأم للخطيئة، حيث فقد شوكته ولم يعد المؤمنون عبيداً للخوف من الموت، وسوف تتحقق الحرية بشكل كامل عند القيامة المجيدة ونحن ما زلنا ننتظر إفتداء أجسادنا (رومية 8: 23).
  3. الشريعة: ''فلا يكوننَّ للخطيئة من سلطان عليكم من بعد. فلستم في حكم الشريعة ولكنَّكم في حكم النعمة'' (رومية 6: 14). لقد أعلن الرسول بولس أعطية شريعة الروح الجديدة المختلفة اختلافا جذريا عن شريعة الجسد التي تجر الإنسان إلى الشرِّ وتقف حاجزا دونه واختيار الخير. ولأنَّنا قد صلبنا مع المسيح بكل الأشياء التي كانت تستعبدنا، فقد تحررنا من الشريعة وأصبحنا نسير وفق نظام الروح الجديد (رومية 7: 6) بحيث ليس علينا بعد أن نربط خلاصنا بتتميم أية شريعة خارجية إذ صرنا الآن نعيش في عهد جديد يحكمه مبدأ الانقياد للروح القدس المسكوب في دواخلنا ''فإذا كان الروح يقودكم فلستم في حكم الشريعة'' (غلاطية 5: 18).
  4. كل عبودية: عندما يتحرر المؤمن يمتلئ شجاعة ويقينا وفخراً، ألم يكتب الرسول بولس "  كلُّ شيءٍ يحلّ لي'' (1كورنثوس 6: 12)، لكن لا يجوز أن ينسى المؤمن أبدا أنَّه ينتمي إلى الربِّ، والرب دعاه إلى القيامة من بين الأموات. ''إنَّكم، أيُّها الأخوة، قد دُعيتم إلى الحريَّة، على أن لا تجعلوا هذه الحريَّة سبيلاً لإرضاء الجسد'' (غلاطية 5: 13)، كما لا يجب أن نجعل من الحريَّة غطاء للخبث، بل علينا الابتعاد عن دنس العالم، حتى لا نعود إلى ''تلك الأركان الضعيفة الحقيرة وتريدون أن تعودوا عبيداً لما كنتم قبلا؟'' (غلاطية 4: 9).