دستويفسكي... الحافز العظيم للإيمان

عن أحمد عاطف فتحي بتصرف

ولد دستوفسكى فى عام 1822 ومات فى عام 1881 . وكان مريضآ طوال حياته , تنتابه نوبات من الصرع . وقد أخرج قصته الأولى ” المساكين ” فى عام 1846 ووثب بها مصاف الأدباء الأفذاذ , وفى عام 1849 ألقى القبض عليه بتهمة الاشتراك فى جمعية سياسية غير مشروعة وحكم عليه بالإعدام . ثم خفف الحكم إلى النفى إلى سيبريا حيث قضى أربع سنوات و ألف عنها كتابآ  بعد ذلك باسم ” ذكريات من بيت الموتى ” . وبعد سنوات أخرى فى الجندية والسياحة استقر على التأليف القصصى . فأخرج “الإخوة كرامازوف” وهى الآولى بين قصص العالم جميعها . وأخرج  أيضآ قصة  ” الجريمة والعقاب ” . وقد بعثتى حماسى لها أنى فى سنه 1911 ترجمت منها نصفها ثم طبعت الربع بهذا الاسم ولم أتمم الترجمة .

وتتسم قصصه بحنان ورقة يشيعان فى نفوسنا إحساس الدين . وهى جميعآ دعوة إلى الخير وحب والأطفال وحماسة الأمومة , ولذة التضحية , وارتفاع عن الدنايا المادية ونحو ذلك . وقد كانت حياته هو نفسه مليئة بهذه العواطف .

                                      *                 *                 *

ولنذكر شيئآ مما وقع له , ولعله كان لهذه التجربة القاسية أثر فى فنه . ففى يوم 22 أبريل من عام 1849 ألقى القبض فى بطرسبورج على نحو ثلاثين شابآ كان بينهم دستوفسكى , وكانت التهمة الخطيرة التى اتهموا بها أنهم اجتمعوا واحتفلوا بميلاد الكاتب الفرنسى فورييه .

وكان فورييه مشهورا ببرنامج يقترحه لتغيير المجتمع  وهو حين نقرأه هذه الأيام نجد فيه سخفآ عظيما  ذلك أنه ينص على تأليف جماعات لا تزيد إحداها على 1600 شخص يعيشون معآ متعاونين مستقلين عن الجماعات الأخرى . وقيل إن هؤلاء الثلاثين المجتمعين فى بطرسبرج قد تأمروا على ترجمة كتاب فورييه هذا , ولما زاد فى هذه ” المؤامرة ” الخطيرة أن أحد الحاضرين قرأ خطابآ من أديب يدعى بيلنسكى إلى القصصى جوجول يونجه فيه لأنه عاد إلى الإيمان بعد الكفر .

وبعد أن قضى المتهمون سبعة أشهر فى السجن حكم عليهم بالإعدام , ثم قضوا شهرآ أخر قبل التنفيذ نصبت أعمدة فى أكبر ميدان فى بطرسبرج ثم ألبس المتهمون جلاليب بيضاء وعى رأس كل منهم طرطور وأخرجوا فى الصباح من يوم 22 ديسمبر , والثلج يغطى الأرض , ثم حضر قسيس يحمل صليبآ من الفضة ويطلب إلى كل منهم تقبيله حتى  يغفر لهم العالم الأخر . ووقف ستة عشر جنديآ يحملون البنادق , وربط كل منهم إلى العمود كى يتلقى الأعيرة النارية . ثم أمر الجنود بفتح الأزندة استعدادآ لإطلاق النار . وفى هذه اللحظة فقط أعلنوا جميعهم بأن القيصر قد استبدل بحكم الإعدام الحكم بالنفى إلى سيريا أربع سنوات .وبعد هذه المأساة أو المهزلة سافروا إلى سيبريا .

كان دستوفسكى يكره الشبان الثائرين على القيصر , وكثيرآ ما نجد فى قصصه ثاثرآ أو أكثر يستهزئ بأفكارهم ويسخر من عقائدهم . ولكن كراهيته لهم لم تكن تستند إلى حبه للنظام الاستبدادى الذى كان يسود حكومه القيصر ويوجهها , وإنما كان يكره أوربا أيضآ لهذا السبب . وقد دعا إلى مقاطعة الثقافه الأوربية فى الوقت الذى كان يدعو فيه تورجنيف إلى اعتناقها .

وعندما نتعمق أقوال دستوفسكى لا نتمالك الإحساس بأنه يكره  العلوم المادية جميعها ويكره الحركات الاجتماعيه الارتقائيه القائمة عليها , وأن فى نفسه شوقا ملحا إلى أن يعيش الناس فى إيمان بالله قانعين بكلمات الإنجيل التى يجب أن تكون الأساس الذى تنبنى عليه الأخلاق .

وقد عجز دستوفسكى عن أن يفطن للحقيقة الأوربية البازغة وهى أن الأوربين قد شرعوا مذ أوائل القرن التاسع عشر فى استبدال الرؤيا البشرية للرقى والأخلاق والدين برؤيا الكنيسة . وأن الإحساس الدينى البشرى الجديد , على الرغم من أنه لا يزال ضعيفآ , يجد أنصارآ أقوياء يسلكون فى حماسه وحب للبشر ويضحون للإنسانية .

ولكنه فطن إلى أن علمآ بلا دين هو دمار بشرى عام . بل نستطيع أن نقول إنه بصر قوة العلم الطاغية فى القنبلة الذرية التى يخرج يها طيار يشرب كأسا من الكونياك فى نزق ومجانه ثم يقتل ثمانين ألف إنسان فى ثانية ويعود ضاحكآ إلى معسكره كما حدث فى هيروشيما فى أغسطس من عام 1945 .

بعد أن قضى دستوفسكى مدة عقوبته فى سييريا وأفرج عنه كتب إلى السيدة فون ويسين خطابا جاء فيه :

” … ومع ذلك فإن الله يمتعنى أحيانا بلحظات من الهدوء الكامل . وفى هذه اللحظات أجد الإيمان الذى يتجلى لى فيه كل شئ فى وضوح وقداسة . وإيمانى هذا فى غاية البساطة , وهو أنى أعتقد أنه ليس هناك ما هو أروع وأحب , وأعقل , وأشجع , وأكمل , من المسيح . وليس هذا فقط بل إنى لأقول لنفسى فى إحساس المحب الغيور إنه لا يمكن أن يكون هناك شئ . أكثر من هذا , وهو أنه لو أن أحدآ قال لى :

المسيح يجافى الحق , ولو أن هذا القول كان صحيحآ , لأثرت البقاء مع المسيح على التزام الحق ” .

وقصص دستوفسكى جميعآ تنشد  الأيمان الذى يستطيع أن يستقر به الأنسان على هذه الدنيا حتى ولو كان هذا الأيمان يخالف منطق العيش وأسلوب البحث العلمى .                                                                                                                                              

وقد وجد دستوفسكى حافزآ عظيمآ للاعتماد على الايمان ،هو هذا الاختبار المؤلم حين وقف أمام الجنود ينتظر اطلاق النار . فانه بقى طوال عمره بعد ذلك ينظر الى الحياة من موقف الموت ، وهو موقف جدير بأن يغير النظرة والنبرة للحياة معآ . وواضح انه لم ينسه بتاتآ فى كل ما كتب .

وأكاد هنا أقول ان الدين ليس شيئآ آخر سوى النظر الى الحياة من موقف الموت . فأن الموت اكبر حقيقة بشرية .

وهو عندما نتأمله نجد انه يغير القيم والاوزان ويحولها من التقدير اللاجماعى الى التقدير البشرى .

فنحن فى هرولة الحياة الاجتماعية نتعب ونلهث لآجل الثراء أو الوجاهة أو ننساق فى أنانية بشعة لا نبالى مصالح الغير ولا نرحم من ندوسه فى سبيل الاقتناء أو التغلب . وكلنا على هذه الحال بدرجات متفاوتة ، ولكن فكرة الموت تنقدح فجأة فى أذهاننا فنقف فى طريق الحاة ونتساءل عن نهايته . وهذا وجدان أكبر الوجدان بالحياة الى  تتخلص عندئذ من ملابساتها الاجتماعية . وعندئذ نحس كما أحس دستوفسكى ، بل كما يعلم ويكرر فى جيمع قصصه ، اننا نحن بنو البشر كيان واحد وقد تعددت اجزاؤه وانفصلت ، ولكن انفصالها لم يمنع بينها التراحم والحب والحنان . فكلنا عندئذ ، بعد تأمل الموت ، أب وأم وأخ لآبناء البشر جميعآ .

وهذا هو احساس المسيح ،وغاندى ، وتولستوى ، بل فولتير وروسو وشفستزر . بل كل انسان استطاع ان يقف عن هرولته الاجتماعية ويتامل حقيقة الموت . اجل ان تأمل الموت هو كشف دينى . كأنى

- حين اوقن أنى فى احدى اللحظات سأفارق هذا العالم فلا يبقى لى فيه جسم او اسم أو ذكرى ــــ لا أسأل عندئذ عن هذا الرجل هل هو باشا او بك ؟ وثرى أو فقير ؟ هل يملك صيغة أو أتومبيلا أو قصر ؟وانما أسأل عن ميزاته الانسانية . بل انى لاهتم به وأتأمله كثيرآ عندما اعرف انه يحب الزهور ، ويحنو على الاطفال ، ويفرح لرؤية الشفق ، وتلتمع فى ذهنه أشعة الذكاء وشهوة الحرية ويحس قرابته للحيوان بل للنبات . أن يقيننا بالانعدام بعد الموت يزيدنا وجدانآ بالحياة . وهذا هو احساسنا عندما نقرأ دشتوفسكى ، فان الحياة تصخب حولنا وتكاد تتجمع فى بركان تحتبس فيه العواطف ثم تنفجر .

ومع أن القارئ لقصصه يحس من وقت لآخر ان ايمانه بالله يتزعزع ، هنا وهناك ، فان اصراره على الايمان يتكرر فى لهجة التأكيد والغضب من المنطق العلمى وتفشى المادية الأوربية . فهل نستطيع أن نفسر ذلك بأن رهبه الموت حين وقف لتلقى النار وقد حملته ايضآ على التشبث بالايمان فرارآ من معانى القلق والشك والخوف ، وجميعها من معانى  الموت .

وقد يكون ذلك ، ولكن هذا الايمان قد جعل قصصه تذوب ،رحمة وحنانآ واخاء وبرآ حتى لنحس ونحن نقرأها هذه الفضائل تسرى فى كياننا، كما لو كانت بلسما ، وترفعنا فوق أنفسنا .