جون كالفين

​​​​​​ (John Calvin )

مصلِح ديني ولاهوتي فرنسي، مؤسس المذهب الكالفيني المنتشر في سويسرا وفرنسا. في الرابعة عشرة من عمره أرسله أبوه والذي كان يعمل محاميا إلى جامعة باريس لدراسة القانون والعلوم الإنسانية، وفي عام 1532 كان قد تخرج ليعمل دكتورا في القانون في مدينة أورلينز الواقعة في الشطر الشمالي لفرنسا. كان أول اعماله المنشورة كتاب دي كلامنتيا للفيلسوف الروماني لوسيوس أنايوس سنيكا والملقب بسنيكا الأصغر مصحوبا بتعليقاته الشخصية.

كان من أشد أتباع المذهب اللوثري (نسبة إلى مارتن لوثر) . أجبرته الظروف على مغادرة باريس والإقامة في شتراسبورغ ثم بازل (سويسرا) قبل أن يستقر منذ سنة 1541 م في جنيف. أراد أن يجعل من مدينة جنيف مدينة مثالية، فعمل على تطبيق النظام بطريقة صارمة. من أهم أعماله "تأسيس الديانة المسيحية" (1536 م)، ويتعرض فيه للمعتقدات المسيحية.

شبابه

ولد في نويون بفرنسا يوم 10 يوليو عام 1509 ، وكانت مدينته لها طابع كنسي ، يسيطر عليها أسقفها وكاتدرائيتها ، وهناك في البداية وجد مثالاً من حكومة يسيطر عليها رجال الدين - حكم رجال الدين لمجتمع باسم الرب.

وكان أبوه جيرار شوفان سكرتيراً للاسقف ، ووكيل أعمال في إدارة الكاتدرائية ، ووكيلاً للمقاطعة يشرف على الأعمال المالية. وقد ماتت أم جان وهو لا يزال حدثاً فتزوج أبوه للمرة الثانية، ولعل كالفن يدين بجانب من روحه القاتمة إلى ما عاناه من تربية صارمة على يد زوجة أبيه.

ونذر جيرار ثلاثة من أبنائه للكهنوت ، وهو على ثقة من أن في وسعه أن يجد لهم مناصب وحصل لاثنين منهما على صدقات بيد أن واحداً منهم انقلب إلى هرطيق ، ومات وهو يرفض تناول القربان المقدس. وحرم جيرار نفسه من الغفران بعد خلاف مالي مع إدارة الكاتدرائية ، ولقي بعض المتاعب قبل أن يوسد جثمانه في الأرض المقدسة.

وأرسل جان إلى كلية دي مارش في جامعة باريس وقيد نفسه باسم جوهانس كالفينوس ، وحذق كتابة اللاتينية ببراعة فائقة ، ونقل فيما بعد إلى كلية دي مونيجو ، ولابد أنه سمع هناك أصداء تتردد عن تلميذها المشهور أرازموس، وظل هناك حتى عام 1528، وهو العام الذي التحق بها صنوه الكاثوليكي أجناتيوس لويولا. ويقول أحد الثقاة من الكاثوليك "أن القصص التي رويت في وقت ما عن شباب كالفن الطائش ، لا تستند إلى أساس" والأمر على نقيض ذلك تماماً ، فكل الدلائل تشير إلى أنه كان طالباً مثابراً خجولاً معتصماً بالصمت تقياً و"رقيباً صارماً في نقد أخلاقيات زملائه" ، ومع ذلك فإنه كان محبوباً من أصدقائه حباً خالصاً لا يتزعزع. وفي غمار السعي الحثيث للحصول على معرفة ما وراء الظاهر أو نظرية تفتن العقول قرأ كثيراً في الليل، ولقد طور حتى في تلك السنوات التي قضاها في طلب العلم، بعض الأوصاب الكثيرة التي انتابت حياته الناضجة، وساعدت على تكوين مزاجه.

وفي أواخر عام 1528 جاءه على غير انتظار توجيه من أبيه بأن يذهب إلى أورليانز ويدرس القانون، ويظن كما قال الابن "لأنه رأى أن علم القوانين قد أدر على الذين حصلوه الثراء العريض"(3). وعكف كالفن في غبطة على الدراسة الجديدة، إذ خيل إليه أن القانون، وليس الفلسفة أو الأدب، هو أبرز نتاج فكري حققته البشرية، وأنه يصوغ نوازع الإنسان الفوضوية ويحولها إلى نظام وسلام.

ونقل إلى اللاهوت وعلم الأخلاق ، منطق قوانين جستنيان ودقتها وصرامتها، وأطلق على خير مؤلفاته اسماً مماثلاً. واصبح فوق أي شيء آخر مشرعاً وصار نوما وليكورجوس مدينة جنيف.

وبعد أن حصل على درجته في ليسانس أو بكالوريوس في القوانين عام 1531 ، عاد إلى باريس وعكف في نهم على دراسة الأدب الكلاسي ، وأحس بالرغبة العارمة الشائعة ليرى لنفسه مؤلفاً مطبوعاً، فنشر 1532 مقالاً باللاتينية عن De clementin لسينيكا، وبدأ اشد المشرعين الدينيين صرامة حياته العملية العامة بتحية للرحمة، وأرسل نسخة إلى أرازموس ، حياه فيها باعتباره "المعلم الثاني في عالم المجد" (بعد شيشرون) و "أول إشراقة للآداب".

وخيل للناس أنه وقف حياته على الإنسانيات عندما وصلته بعض عظات لوثر وأثارته بما انطوت عليه من جرأة. وكانت الدوائر الناشطة في باريس تناقش الحركة الجديدة ، وليس من شك في أنه دار حديث طويل حول الراهب المتهور ، الذي أحرق منشور البابا ، وتحدى قرار إمبراطور بتحريم التعامل معه، والحق أنه قد سقط في سبيل البروتستانتية شهداء في فرنسا. وكان بعض الرجال الذين يبحثون عن إصلاح الكنيسة من بين أصدقاء كالفن ، وكان أحدهم وهو جيرار روسل أثيراً لدا شقيقة الملك مرجريت دي نافار. واختير صديق آخر، وهو نيكولاس كوب، ليشغل منصب مدير الجامعة ، ولعل كالفن كان له ضلع في إعداد الخطاب الافتتاحي المشئوم، الذي ألقاه كوب "أول نوفمبر سنة 1533.

وقد بدأ الخطاب برجاء أرازمس لمسيحية مطهرة، واستطرد ليشرح نظرية لوثر في الخلاص عن طريق الإيمان والعفو ، وانتهى بالتماس الإصغاء في تسامح للأفكار الدينية الجديدة. وأثار الخطاب حنقاً بالغاً، وانفجرت جامعة السوربون غضباً، وبدأ البرلمان في اتخاذ إجراءات ضد كوب بتهمة الهرطقة، ففر هارباً، وعرضت مكفأة قدرها ثلاثمائة كراون لمن يقبض عليه حياً أو ميتاً، ولكنه استطاع أن يصل إلى بازيل، وكانت وقتذاك تعتنق البروتستانتية.

وحذر الأصدقاء كالفن وأخبروه أن اسمه ادرج مع اسم روسل في قائمة المطلوبين للقبض عليهم، ويبدو أن مرجريت قد تشفعت له، فغادر باريس في يناير سنة 1534 ووجد ملاذاً له في أنجوليم ، ولعله بدأ هناك، بمكتبة لوي دي تييه الغنية بما تضم من كتب قيمة، في كتابة مؤلفه Institutes ، وفي مايو جازف بالعودة إلى ثويون، وتنازل عن روايته، التي كانت تدر عليه دخلاً يعول به نفسه. وهناك قبض عليه وأطلق سراحه، ثم أعيد القبض عليه، ثم أطلق سراحه مرة أرى. وعاد سراً إلى باريس، وتحدث مع زعماء البروتستانت، والتقى بسير فيتوس، الذي قدر عليه أن يحرقه. وعندما وضع بعض المتطرفين من البروتستانت إعلانات ملصوقة مهينة في أماكن متفرقة من باريس، انتقم فرانسس الأول منهم بأن أمعن في اضطهادهم، وفر كالفن في الوقت المناسب (ديسمبر 1534)، وانضم إلى كوب في بازيل وهناك أتم، وهو شاب في السادسة والعشرين من عمره، عملاً يعد من أبلغ الأعمال في أدب الثورة الدينية، وأشدها حماسة، وأوضحها معنى، وأكثرها تمشياً مع المنطق، وأعظمها تأثيراً، وأشدها جميعاً إرهاباً.

أفكاره

عالِم اللاهوت

نشر جون كالفن كتاب باللغة اللاتينية 1536 باسم "مبادئ الدين المسيحي" وفي خلال عام واحد نفد الكتاب واستدعى الأمر إصدار طبعة جديدة، فاستجاب كالفن ، وأعد نسخة مطولة 1539 باللاتينية أيضاً وترجمها إلى الفرنسية عام 1541. ويعد هذا الشكل من التأليف من أعظم ما أنتجته القرائح تأثيراً في النثر الفرنسي. وحرم برلمان باريس تداول الكتاب باللغتين كلتيهما ، وأحرقت نسخ منه علناً في العاصمة ، واستمر كالفن طوال حياته يعمل على إضافة فصول إلى هذا الكتاب وإعادة نشره، وبلغت عدد صفحاته 1118 في شكله النهائي.

واستهلت الطبعة الأولى من الكتاب بـ "مقدمة إلى أعظم ملك مسيحي لفرنسا" وهي مقدمة تفيض بالمشاعر، ولكن بأسلوب رصين. ووقع حادثان أتاحا فرصة الحوار مع فرانسس أولهما: الأمر الملكي الصادر في يناير عام 1535 ضد الفرنسيين البروتستانت، وثانيهما: الدعوة التي وجهها فرانسس في الوقت نفسه تقريباً لميلانكتون وبوسر لكي يحضرا إلى فرنسا، ويرتبا تحالفاً بين الملكية الفرنسية وبين الأمراء اللوفريين ضد شارل الخامس. وكان كالفن يأمل في أن يوطد المأرب السياسي على دعامة من الجدل اللاهوتي، وأن يعاون في استمالة الملك، ومثل أخته، إلى القضية البروتستانتية، وكان تواقاً إلى أن يفرق بين هذه القضية وحركة اللامعمدانيين، التي اقتربت وقتذاك من الشيوعية في منستر. ووصف المصلحين الدينيين الفرنسيين بأنهم وطنيون مخلصون للملك كارهون لكل اضطراب اقتصادي أو سياسي. وتكشف بداية ونهاية هذه المقدمة روعة أفكار كالفن وجزالة أسلوبه:

"عندما بدأت هذا العمل يا مولاي لم يكن هناك شيء أبعد من التفكير في تدبيج كتاب، يقدم فيما بعد إلى جلالتكم، وكنت لا اقصد إلا أن أطرح أمامكم بعض مبادئ أولية يستطيع بها المتسائلون عن أمور الدين أن يفقهوا طبيعة التقوى الصحيحة... ولكنني عندما أدركت أن غضب بعض الأشرار في مملكتكم قد اشتد، إلى حد يجعلهم لا يسمحون بوجود عقيدة صحيحة في البلاد، رأيت من الواجب أن يستفاد مني ولو في العمل نفسه... لقد عرضت اعترافي عليك، لكي تعلم طبيعة تلك العقيدة، التي يستهدفها هذا الغضب، الذي لا يعرف حدوداً، والذي يعتمل في صدور هؤلاء المجانين، الذين يزعجون البلاد بالسيف والنار، ومن أجل ذلك فأنا لا أخشى التسليم بأن هذه الرسالة تحتوي على ملخص لتلك العقيدة ذاتها، والتي يستحق مَن يعتنقها، طبقاً لما أثاروه حولها من دعاوى، أن يعاقب بالسجن والنفي وإهدار الدم والتحريق وبإبادته من على ظهر الأرض. وإني لأعلم جيداً الدسائس الأثيمة، التي ملئوا بها أذنيك، لكي تبدو قضيتنا بغيضة جداً في نظرك، ولكن حلمك كفيل بأن يهديك إلى التفكير في أنه إذا كان الاتهام يكفي دليلاً على الذنب، فهو القضاء على كل براءة في الأقوال والأفعال... وأنت نفسك يا مولاي تستطيع أن تتبين الوشايات الزائفة، التي كانت تطرق أذنيك عنها (قضيتنا)، وهي تفتضح كل يوم، إن ما تصبو إليه فحسب إنما هو إنتزاع صولجانات الملوك من أيديهم، هدم جميع المحاكم... وتقويض دعائم النظام بأسره، وقلب الحكومة، وتعكير صفو السلام والأمن بين الناس، وإلغاء جميع القوانين، وتبديد جميع الأموال الممتلكات، وباختصار جعل كل شيء في حالة اضطراب شامل.

ولهذا أتوسل إليك يا مولاي - وهو بالتأكيد طلب معقول - أن تأخذ على عاتقك الفهم الكامل لهذه القضية، التي أثيرت حتى الآن بصورة مبلبلة، وبلا اكتراث، وبلا سند من القانون، وبدافع من العاطفة الهوجاء أكثر من أي دعامة قانونية. ولا يذهبن بك الظن إلى أني أفكر الآن في إعداد دفاعي عن نفسي، لكي أضمن لنفسي عودة آمنة إلى وطني الحبيب، فأنا، على الرغم مما أكنه له من حب ينبغي على كل إنسان أن يحس به نحوه، لن أندم أبداً، في الظروف الحالية، على انتقالي منه. ولكي أدافع عن القضية أمام كل المتدينين، وبالتالي أمام المسيح نفسه، هل يحتمل أن نفكر في تقويض دعائم الممالك، نحن الذين لم يسمعنا أحد نفوه بكلمة واحدة تثير الفتنة... نحن الذين عرفنا طوال حياتنا أننا نعيش حياة هادئة مستقيمة عندما كنا نعيش تحت حكمك، نحن الذين لم نكف، حتى في منفانا الآن، عن الصلاة لك بالنجاح ولمملكتك بالرخاء... ثم إننا لن ننتفع إلا قليلاً بالإنجيل بفضل الله، ولكن حياتنا يمكن أن تكون مثالاً يحتذى لمن نددوا بعفتنا وكرمنا ورأفتنا وعزوفنا عن المنكر وصبرنا وتواضعنا وكل فضيلة أخرى هنا... وعلى الرغم من بغضك لنا ونفورك منا، بل وغضبك علينا، فإننا لا نيأس أبداً من استعادة عطفك، لو قرأت بهدوء واطمئنان إقرارنا هذا، الذي نعتزم تقديمه إلى جلالتكم، كدفاع لنا... ولكن إذا كانت أذناك مشغولتين عن النقيض بسماع همسات الحاقدين، التي لا تدع فرصة للمتهمين للدفاع عن أنفسهم، وإذا استمرت تلك العقبات الهوجاء في اضطهادنا بالسجن والتنكيل والتعذيب ومصادرة الأموال والحرق، وتغاضيك عن ذلك، فإننا سوف نغلب على أمرنا حقاً إلى أقصى حد، ونكون مثل قطيع من الأغنام، يساق إلى الذبح. ومع ذلك هل لنا أن نحتفظ في صبر بأرواحنا، وننتظر أن تمتد إلينا يد الرب القوية... لإنقاذ الفقراء من غمهم، ولمعاقبة المستخفين بهم، الذين يبتهجون الآن في أمن واطمئنان تام. وإني لأدعو الرب ملك الملوك أن يوطد عرشك بالعدل والتقوى، وأن ينتشر في مملكتك القسط والإنصاف".

وليس من اليسير علينا، في عصر أسلم فيه اللاهوت مكانه للسياسة، باعتبارها مركزاً لاهتمام بني الإنسان والصراع بينهم، أن نتذكر المزاج الذي ألف به كالفن كتابه القوانين. لقد كان رجلاً هائماً في حب الله - أكثر من سبينوزا، وكان شعور بضآلة الإنسان وعظمة الله.

وكم يكون الأمر منافياً للعقل أن نفترض أن العقل الواهي لهذا السوس، الذي لا يكاد يرى بالعين المجردة، وهو الانسان، يستطيع أن يدرك العقل المفكر الذي يحكم هذه النجوم الطيعة التي لا تحصى؟ وأن الله، رأفة بعقل الإنسان، قد اظهر لنا نفسه في الكتاب المقدس، وثبت أن هذا الكتاب المقدس هو كلمة الله، (كما يقول كالفن) بما له من سلطان لا نظير له على روح الإنسان.

"إقرأ لديموستين أو شيشرون، وإقرأ لأفلاطون أو أرسطو أو لغيرهم ممن هم في مستواهم، وأنا كفيل بأن ما تقرأه من مؤلفاتهم سوف يجتذبك، ويشرح صدرك، ويحرك شغاف قلبك، ويخلب لبك بطريقة مدهشة، ولكن إذا تحولت بعد قراءتها إلى تلاوة الكتاب المقدس، سواء كنت راغباً أو غير راغب، فإنه سوف يستولي عليك بقوة عظيمة، وينفذ إلى قلبك، ويطبع كلماته بقوة في ذهنك، إلى الحد الذي لو قارناه بما لتلك المصنفات من أثر قوي، فإن الجمال الذي يتسم به كلام البلغاء والفلاسفة يتبدد كله أو يكاد، ومن اليسير أن ندرك أن شيئاً إلهياً في الكتب المقدسة، يفوق بكثير أعظم ما أحرزه الإنسان في عالم الصناعة والزخرف"

وعلى ذلك فإن هذه الكلمة التي نزلت علينا يجب أن تكون مرجعنا الاخير، لا في الدين والأخلاقيات فحسب، ولكن في التاريخ والسياسة وكل شيء أيضاً. يجب أن نتقبل قصة آدم وحواء لأننا نفسر، بعصيانهما أمر الله، الشر الذي فطر الإنسان عليه، وفقدانه لإرادته الحرة. "إن عقل الإنسان لينفر كل النفور من عدل الله، حتى إنه ليدرك، ويرغب في، ويباشر كل شيء، يتسم بالزندقة الانحراف والخسة والدنس والفجور، وطمس على قلبه بسم الخطيئة فلم يعد يصدر عنه غلا ما هو فاسد خبيث، وإذا قام الناس في وقت من الأوقات بعمل يبدو طيباً في الظاهر، فإن العقل يظل دائماً متورطاً في النفاق والخداع، والقلب يظل عبداً لانحرافه الباطني"(6).

وأني لمخلوق فاسد إلى هذا الحد أن يستحق النعيم الأبدي في الفردوس؟ ليس في استطاعة واحد منا أن يحصل عليه مهما قدم من أعمال صالحات. حقاً أنه لا بأس بالأعمال الصالحات، ولكن موت ابن الرب الذي ضحى بنفسه في سبيل البشرية هو الذي يستطيع وحده أن يحقق للبشر الخلاص، وليس للناس أجمعين، لأن عدالة الرب تقتضي عذاب معظم البشر في نار جهنم. ولكن رحمته تعالى قد اختارت بعضنا للظفر بالنجاة، وقد وهب تعالى لهؤلاء إيماناً راسخاً بتكفير المسيح عن ذنوبهم، لأن القدّيس بولس قال: "لقد اختارنا الرب في نفسه قبل خلق العالم بأن علينا أن نكون أمامه أطهاراً، لا تشوبنا شائبة في الحب، وقدر علينا أن نتخذ لنا أبناء، كما اتخذ المسيح عيسى ابنا له بمشيئته"(7). وفسر كالفن هذا، كما فسره لوثر، فإن معناه أن الرب قد قرر بمشيئة حرة، لا تتوقف أبداً على ما نتمتع به من فضائل أو نتصف به من رذائل، وقبل خلقنا بوقت طويل، مَن منا يكتب له النجاة، ومَن يعذب في نار جهنم. ويجيب كالفن على السؤال الذي يتردد، وهو: "لماذا شاء الله النجاة لبعض الناس، والعذاب لآخرين، دون اعتبار لما قدموه من أعمال، بكلمات بولس: لأنه قال لموسى إني أتغمد برحمتي مَن أشاء وأعفو عمن أشاء". ويختم كالفن حديثه بقوله: "وطبقاً لهذا نؤكد بأن الرب قدر بمشيئة أزلية لا تتبدل، مَن يكتب له الخلاص، ومَن يحكم عليه بالعذاب والهلاك، ونؤكد أن هذه المشيئة، فيما يختص بالاختيار، تقوم على رحمته، التي يتغمد بها مَن يشاء، دون اعتبار لما يستحقه الإنسان، ولكن الذين حكم عليهم بالعذاب في النار أغلق دونهم باب الحياة، بمقتضى حكم عادل لا سبيل إلى نقضه، ويدق على الفهم".

بل إن خروج آدم وحواء من الجنة، وما ترتب عليه من نتائج بالنسبة للجنس البشري في رأي بولس "فرضته مشيئة الرب العجيبة".

ويسلم كالفن بأن حتمية القدر تتنافى مع العقل، ولكنه يرد بقوله: "ليس من المعقول أن يتقاضى الإنسان هذه الأمور، التي قرر الرب أن يخفيها عنا في نفسه ويفلت من العقاب". ومع ذلك فإنه يعترف بأنه يعترف لماذا يقرر الرب بصورة تحكمية مصير ملايين الأرواح منذ الأزل: "ذلك لكي يزيد من إعجابنا بمجده" بعرض قوته. ويوافق على أن هذا "حكم مروع" "ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن الله عرف مصير الإنسان النهائي في المستقبل، قبل أن يخلقه، وأنه عرفه سلفاً، لأنه كان قد قضى به في حكمه". وقد يجادل آخرون من أمثال لوثر بأن المستقبل قد تحدد، لأن الرب تنبأ به سلفاً وأن علمه بالغيب لا يمكن نفيه. أما كالفن فإنه يرى عكس ما تقدم، إذ أنه يعتقد أن الرب يتنبأ بالمستقبل، لأنه شاء هذا وقرره. والحكم بالعذاب الأبدي حكم مطلق، وليس هناك مطهر في لاهوت كالفن، وليس هناك منزل في منتصف الطريق، يستطيع الإنسان بعد أن يقضي فيه بضع ملايين من السنين، وهو يتعذب بالنار، أن يمحو بها سيئاته، وعلى هذا فلا محل للصلوات من أجل الموتى.

وقد يذهب بنا الظن إلى أنه لا معنى لأداء أي نوع من الصلاة، وذلك بناء على افتراضات كالفن فما دام كل شيء قد تحدد بحكم الله، فليس في وسع فيض من الابتهالات أن يمحو ذرة واحدة من قدر الإنسان المحتوم. ومهما يكن من شيء، فإن كالفن أكثر إنسانية من لاهوته، فهو يقول لنا: فلنصل بتواضع وإيمان، ولسوف يتقبل الله صلواتنا، فالصلاة وتقبلها قد سبقا في حكمه أيضاً. ولنعبد الله بأداء صلوات دينية متواضعة، ولكن يجب علينا ألا ننبذ القداس، ونعتبره ادعاء من القساوسة، ينتهكون به الحرمات بتحويل مواد دنيوية إلى جسد المسيح ودمه، والحق أن المسيح موجود في القربان المقدس بروحه لا بجسده، وعبادة رقاقة الخبز المقدسة، بدعوى أن المسيح يحل فيها بجسده، هي وثنية محضة. واستخدام الصور المنقوشة للرب انتهاك صارخ للوصية الثانية، وتشجيع على عبادة الأوثان، ويجب إزالة كل الصور والتماثيل الدينية، بل والصليب من الكنائس.

والكنيسة الحقة هي جمهور المصلين غير المنظور من الصفوة، الأموات أو الأحياء أو الذين سيولدون. وتتكون الكنيسة المنظورة، من كل الذين "يعترفون معنا بنفس الرب والمسيح"(15)، باعتناق عقيدة، وبحياة مثالية، وبالاشتراك في مراسم التعميد والعشاء الرباني "يرفض كالفن التسليم بالمراسم الأخرى".

وليس هناك خلاص خارج نطاق هذه الكنيسة. والدولة والكنيسة مقدستان، وقد خلقهما الله، لكي يعملا في انسجام كالروح والجسد، لمجتمع مسيحي واحد: وعلى الكنيسة أن تضع القواعد، التي تنتظم كل التفاصيل الخاصة بالعقيدة والعبادة والأخلاق، وعلى الدولة أن تدعم هذه القواعد(17)، باعتبارها ذراع الكنيسة الطبيعي، ويجب على السلطات الزمنية أن تكون على بصر من أن "عبادة الأوثان" (وهي ترادف إلى حد كبير الكاثوليكية في العزف البروتستانتي) و "فضائح أخرى تمس الدين يجب ألا تعرض وتنشر علناً بين الناس"، وأن كلمة الله الطاهرة هي الوحيدة التي يجب أن يتعلمها ويتلقاها الناس(18). والحكومة المثالية هي حكومة رجال الدين، ويجب أن نعترف بالكنيسة التي تؤمن بالإصلاح الديني، باعتبارها صوت الله.

وجدد كالفن جميع ادعاءات البابا بسيادة الكنيسة على الدولة، وطالب بها لكنيسته. ومما يلفت النظر مدى ما بقي من تقاليد الرومان الكاثوليك وآرائهم في لاهوت كالفن، فهو مدين بعض الشيء لفلسفة الرواقيين، وبخاصة سينيكا، وبشيء لدراساته في القانون، ولكنه اعتمد بصفة خاصة على القدّيس أوغسطين، الذي استخلص القول بالجبر من القدّيس بولس، الذي لم يعرف المسيح. وتجاهل كالفن بشدة، مفهوم المسيح عن الرب بأنه أب محب رحيم، ومر في هدوء على عدد كبير من آيات الكتاب المقدس، التي افترضت حرية الإنسان في صياغة مصيره (2 إصحاح بطرس 3  : 9، 1 إصحاح تيموثاوس 2  : 4، 1 إصحاح يوحنا 2:2، 4  : 14 الخ).

ولك تكن عبقرية كالفن تكمن في أنه يأتي بأفكار جديدة، ولكن في تطوير آراء مَن سبقوه إلى نتائج منطقية هدامة، والتعبير عن هذه النتائج ببلاغة، تضارع بلاغة أوغسطين، وبصياغة تضميناته العملية بمنهج، يقوم على التشريع الكهنوتي. وأخذ من لوثر عقيدة التبرير أو الاختيار بالإيمان، ومن زونجلى التفسير الروحي للقربان المقدس، ومن بوسر الآراء المتناقضة عن مشيئة الله، باعتبارها سبباً لكل ما يحدث، والحاجة إلى ورع عملي قوي، باعتباره امتحاناً وشاهداً على الاختيار. ووصلت معظم تلك العقائد في صيغة أخف إلى التراث الكاثوليكي، وأضفى عليها كالفن أهمية شديدة، ولم يعبأ بالعناصر المعوضة المخففة في عقيدة القرون الوسطى.

كان أقرب إلى القرون الوسطى من أي مفكر بين أوغسطين ودانتي. ورفض رفضاً باتاً قبول انشغال علماء الإنسانيات بأفضلية الدنيا، وحول أفكار الناس من جديد إلى العالم الآخر، بصورة كئيبة أكثر من قبل، وأنكر الإصلاح الديني في مذهب كالفن من جديد "النهضة".

وليس من شك أن لاهوتاً غير جذاب مثل هذا، يحرز رضا مئات الملايين من الناس، في سويسرة وفرنسا وسكوتلندة وإنجلترا وأمريكا الشمالية، يبدو لأول نظرة سراً غامضاً، ثم يبدو نوعاً من التجلي. ترى لماذا حارب الكالفينيون والهوجنوت والمتطهرون (البيوريتان) بمثل هذه الجرأة دفاعاً عن عجزهم؟ ولماذا أسهمت هذه النظرية الخاصة بعجز البشر في تكوين بعض الشخصيات، التي تعد من أقوى الشخصيات في التاريخ؟ فهل حدث هذا لأن هؤلاء المؤمنين اكتسبوا، من الاعتقاد بأنهم الصفوة القليلة، قوة تفوق ما فقدوه منها، بالتسليم بأن سلوكهم ليس له نصيب في تحديد مصيرهم؟ وكان كالفن نفسه خجولاً وقوي العزم في الوقت نفسه، وكان واثقاً من أنه ينتمي إلى الصفوة، ووجد في هذا عزاء وسلوى، إلى الحد الذي دفعه إلى أن يجد "الحكم المروع" للجبر "أمراً يؤدي إلى أبهج فائدة"(19): وهل أسعد بعض مَن اصطفوا أنفسهم أن يتدبروا في أن فئة قليلة كتب لها الخلاص، وأن الكثرة الغالبة قدر عليها العذاب؟ وليس من شك في أن الاعتقاد بأن الله قد اصطفاهم منح كثيراً من الأرواح الشجاعة لمواجهة تقلبات الحياة، والضرب فيها على غير هدى، إلى غير ما هدف ظاهر، مثل ما مكنت عقيدة مماثلة الشعب اليهودي من صيانة نفسه، وسط محن كانت كفيلة لأن تهدم إرادة الحياة. حقاً أن فكرة كالفن هي اختيار الله لبعض الناس قد يكون مديناً بها للصيغة اليهودية في لعقيدة، كما تدين البروتستانتية بالكثير للعهد القديم بصفة عامة. ولابد أن الثقة في الاختيار الإلهي كانت درعاً يبث الشجاعة في قلوب الهوجنت، لتحمل آلام الحرب والمذابح، وفي قلوب الحجاج وهم يجازفون بأنفسهم، بحثاً عن أوطان جديدة على شواطئ معادية.

وإذا استطاع خاطئ مقوم أن يتشبث بهذه الثقة، واستطاع أن يؤمن بأن تقويمه قد هيأه له الله، فإن في وسعه أن يقف راسخاً كالطود إلى النهاية. وقد رفع كالفن من قدر هذا الإحساس بالاعتزاز بالاختيار، بأن جعل الصفوة، سواء كانت معدمة أم لا، أرستقراطية وراثية: فأبناء الصفوة يصبحون بمشيئة الله من الصفوة، بطريقة آلية. وهكذا استطاع المرء بعمل بسيط من أعمال الإيمان بالنفس، ولو كان هذا بالتصور، أن ينال الفردوس وأن ينفذ إليها. ولمثل هذه النعم الخالدة كان أي اعتراف بالعجز صفقة رابحة. وكان أتباع كالفن في حاجة إلى مثل هذا العزاء، لأنه علمهم وجهة النظر السائدة في القرون الوسطى، والتي تذهب إلى أن الحياة الدنيا ليس إلا وادياً للبؤس والدموع، ورحب في اغتباط بـ "تصحيح رأيهم الذي اعتبر أن أعظم نعمة ألا يولد المرء، وأن أعظم نعمة بعدها أن يموت فوراً، كما أنه لم يكن هناك شيء يتنافى مع العقل في سلوك هؤلاء الذين كانوا ينوحون ويبكون عند ولادة أقربائهم، ويبتهجون في وقار عند تشييع جنازاتهم"، ولم يأسف إلا لأن هؤلاء المتشائمين العقلاء، وهم في الغالب الأعم وثنيون جهلة بالمسيح، قد حكم عليهم بالخلود في نار جهنم. وكان ثمة شيء واحد يجعل الحياة محتملة - الأمل في سعادة مطردة بعد الموت، وقال: "إذا كانت السماء بلدنا فما الأرض سوى منفى؟ وأليست الدنيا لحداً، إذا كان الرحيل عن هذا العالم معبراً إلى الحياة؟" وعلى النقيض من صورة كالفن الشعرية نجد أنه يقدم أبلغ ما سطر من صفحات، لا في وصف تخيلات الجحيم، ولكن في الحديث عن جمال السماء.

ولسوف تعاني الصفوة التقية، دون أن تجأر بالشكوى، كل ما في الحياة من آلام وأشجان، "لأنهم سوف يضعون نصب أعينهم، ذلك اليوم الذي يستقبل فيه الرب عباده المخلصين في مملكته الوادعة، ويجفف كل دمعة تتساقط من عيونهم، ويكسوهم بثياب الفرح، ويزينهم بتيجان المجد، ويؤانسهم بمباهج، لا يمكن التعبير عنها، ويرفعهم إلى درجة الزمالة لجلالته، ويدعوهم إلى... المشاركة في سعادته". ولعل هذا كان اعتقاداً لا غنى عنه للفقراء أو التعساء الذين ينتشرون في بقاع الأرض.

جنيف وستراسبورج 1536 - 41

بينما كان كتاب "القوانين" في المطبعة (مارس 1536)، قام كالفن برحلة سريعة عبر جبال الألب إلى فرارا، وذلك متابعة لتقليد مرعى بصفة عامة، وإن لم ينعقد الإجماع على الخضوع له(24). ولعله ذهب إلى هناك ليطلب من الدوقة البروتستانتية رينيه، زوجة الدوق أركول الثاني، وابنة المرحوم لويس الثاني عشر، أن تمد يد العون إلى البروتستانت المضطهدين في فرنسا. وعينته مرشداً روحياً لها، مدفوعة بقوة معتقداته الدينية، وذلك عن طريق رسائل تفيض بالاحترام المتبادل، ظلت موصولة حتى وفاته. وعاد كالفن إلى بازل في مايو، وجازف بالذهاب إلى نويون ليبيع شيئاً من أملاكه، ثم انطلق مع أخيه وأخته إلى ستراسبورج. وتوقفوا لبعض الوقت في جنيف، لأن الطريق كانت مغلقة بسبب الحرب (يوليو 1536).

وكانت عاصمة سويسرة الفرنسية أقدم من التاريخ نفسه... كانت في عصور ما قبل التاريخ مجموعة من مآوى البحيرات، شيدت فوق أكوام، لا يزال بعضها يرى حتى اليوم. وكانت في عهد يوليوس قيصر ملتقى لطرق التجارة عند الجسر، الذي يخرج عنده نهر الرون مندفعاً من بحيرة ليمان، ليضرب في فرنسا بحثاً عن البحر الأبيض المتوسط. وخضعت جنيف في العصور الوسطى لحكم أسقفها الروحي والدنيوي على السواء. وكان الأسقف تختاره عادة إدارة الكاتدرائية، التي أصبحت لذلك السبب قوة لها وزنها في المدينة، وتلك كانت بالضرورة الحكومة التي أعدها كالفن فيما بعد، في الشكل الذي يساير المذهب البروتستانتي. وتحرر دوقات سافوي، التي كانت تقع خلف جبال الألب مباشرة، من سيطرة إدارة الكاتدرائية في القرن الخامس عشر، وقروا إلى منصب الأسقفية الرجال الذين أفادت منهم دوقية سافوي، وأسلموا أنفسهم إلى ملذات الحياة الدنيا خوفاً من ألا يكون هناك عالم آخر. وفسدت الحكومة الأسقفية، التي قدر لها أن تكون يوماً من أحسن الحكومات، كما انحدرت أخلاق رجال الدين، الذين يعملون تحت أمرتها. ووافق أحد القساوسة على تنفيذ أمر صدر له بطرد محظيته، بشرط أن يتجرد زملاؤه من رجال الدين مثله من نخوتهم، ورجحت كفة النخوة(25).

وفي نطاق هذا الحكم الكهنوتي الدوقي، كونت العائلات الكبرى بجنيف مجلساً من ستين عضواً، لإصدار القوانين البلدية، واختار المجلس أربعة من المأمورين لتنفيذ هذه القوانين، وكان المجلس يجتمع عادة في مقر الأسقف لكاتدرائية القدّيس بطرس، ولم يكن هناك خط فاصل بين الاختصاص الديني والاختصاص المدني، فبينما كان الأسقف يسك النقود ويقود الجيش، كان المجلس يضع الضوابط التي تحكم الأخلاق، ويصدر قرارات الحرمان، ويرخص للبغايا بالعمل. وكما جرى العرف في ترير وماينز وكولونيا، كان الأسقف أيضاً أميراً من أمراء الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة، ومن الطبيعي أنه أخذ على عاتقه القيام بوظائف، يجد الأسقف نفسه في حل منها الآن. وسعى بعض الزعماء المدنيين، برئاسة فرانسوا دي بونيفار، إلى تحرير المدينة من نير السلطة الأسقفية والسلطة الدوقية معاً. وعقد هؤلاء الوطنيون حلفاً بين فرايبورج الكاثوليكية وبرن البروتستانتية لدعم هذه الحركة. وأطلق على المنضمين لهذا الحلف الإصلاح الألماني Eidgenossen أي رفقاء القسم وهو لفظ معناه المتحالفون، وحرفه الفرنسيون إلى "هوجنت". ولما أن حل عام 1520 حتى أصبح زعماء مدينة جنيف من رجال الأعمال في الغالب الأعم، لأنها كانت على النقيض من فيتنبرج مدينة تجارية، تتوسط في التجارة بين سويسرة في الشمال وإيطاليا في الجنوب وفرنسا في الغرب. وألف الأوساط من أهالي مدينة جنيف مجلساً أكبر، يتكون من مائتي عضو، واختار هؤلاء مجلساً أصغر يتكون من خمسة وعشرين عضواً، وهو المجلس الذي أصبح الحاكم الحقيقي للبلدية، وكان يزدري سلطة الأسقف وسلطة الدوق على السواء. وأعلن الأسقف أن المدينة في حالة تمرد، واستدعى الفرق الدوقية لمساعدته، فما كان من هذه الفرق إلى أن استولت على بونيفار، وسجنته في قصر شيلون، وخف جيش مدينة برن إلى نجدة مدينة جنيف المحاصرة، وهزمت قوات الدوق، وتشتت شملها، وفر الأسقف إلى أنيسي، وتحرر بطل الشاعر بيرون من غياهب سجنه. وغضب المجلس الأكبر من مساعدة رجال الدين لدوقية سافوي، فأعلن عقيدة الإصلاح الديني، وتولى اختصاص رجال الدين وولاية السلطة المدنية في المدينة (1536)، قبل وصول كالفن بشهرين.

وكان البطل العقيدي لهذه الثورة هو وليام فاريل. وكان مثل لوثر، ورعاً جداً في شبابه. وأقبل إلى باريس متأثراً بجاك ليفيفر ديتابل، الذي أزعجت ترجمته للكتاب المقدس وتفسيره له تزمت فاريل، لأنه لم يجد أي أثر في نصوص الكتاب المقدس للبابوات والأساقفة وصكوك الغفران والمطهر والشعائر السبع والقداس والعزوبة المفروضة على رجال الكهنوت وعبادة مريم أو القديسين. وأنف من رسالة رجال الكهنوت، فانطلق يجول من مدينة إلى مدينة في فرنسا وسويسرة، بصفته واعظاً مستقلاً، وكان ضيئل القامة ضعيف البنية جهوري الصوت قوي الروح، له عينان متقدتان تبرقان في وجهه الشاحب، ولحية حمراء كاللهب، وندد بالبابا ووصفه بأنه خصم للمسيحية، كما ندد بالقداس، واعتبره انتهاكاً للحرمات المقدسة، وبأيقونات الكنيسة باعتبارها من الأوثان، التي يجب أن تحطم، وبدأ عام 1532 الوعظ في جنيف، وقبض عليه عملاء الأسقف، الذي رأى أن يلقى "الكلب اللوثري" في نهر الرون، فتوسط المأمورون وهرب فاريل، بعد أن أصيب ببضع سحجات في رأسه، وتلوثت سترته بشيء من البصاق. وكسب إلى صفه مجلس الخمسة والعشرين، وأثار بمساعدة فينر فيريه وأنطوان فرومان الناس، ونال الكثير من التأييد الشعبي، مما دفع كل رجال الدين الكثالكة تقريباً إلى الرحيل. وأصدر المجلس الصغير يوم 12 مايو عام 1536 مرسوماً بإلغاء القداس، وإزالة كل التماثيل ومخلفات القديسين من الكنائس، وحولت ممتلكات الكنيسة للوفاء باحتياجات البروتستانت الدينية، وإلى وجوه البر والتعليم، وجعل التعليم إجبارياً وبالمجان، وسيطر نظام أخلاقي صارم سيطرة القانون.

ودعي المواطنون لأن يقسموا على الولاء للإنجيل، أما الذين رفضوا حضور الصلوات طبقاً لمبادئ الإصلاح الديني فقد نفوا من البلاد. تلك هي جنيف التي أقبل إليها كالفن. وكان فاريل وقتذاك في السابعة والأربعين من عمره، وعلى الرغم من أنه قدر عليه أن يعيش عاماً بعد كالفن، فإنه رأى في الشاب الصارم الفصيح، الذي يصغره بعشرين عاماً، الرجل الذي تشتد الحاجة إليه لدعم الإصلاح الديني ودفع عجلته إلى الأمام. وكان كالفن متردداً، إذ كان قد رسم لنفسه حياة، يقضيها في البحث العلمي والكتابة، وكان يحس بالطمأنينة مع الله أكثر مما يحس بها مع الناس، ولكن فاريل، بطلعته التي تشبه طلعة نبي راعد من أنبياء الإنجيل، هدد بأن يصب عليه لعنة الله، إذا آثر دراسته الخاصة على التبشير الصعب والخطير بالكلمة التي لم يتطرق إليها الوهن.

وأذعن كالفن، ووافق المجلس ومشيخية الكنيسة، وبدأ خدمته الدينية، دون التقيد بأي رسامة أخرى - بأن ألقى في كنيسة القدّيس بطرس أول خطبه العديدة عن رسائل القدّيس بولس. وكان تأثير بولس في كل مكان، يدين بالروتيتانتية، اللهم إلا بين الطوائف المتطرفة من الناحية الاجتماعية، يحجب تأثير بطرس المؤسس الذائع الصيت لكرسي البابوية الروماني. وفي أكتوبر سافر كالفن برفقة فاريل وفيريه إلى لوزان، واضطلع بدور صغير في الجدل الشهير الذي كسب المدينة إلى صف المعسكر البروتستانتي، ولدى العودة إلى جنيف شرع كهان أبرشية القدّيس بطرس، الكبار والصغار، في هداية أهالي جنيف لله. وتقبلوا بأخلاص الإنجيل، باعتباره تنزيلاً من لدن الله، وشعروا بأن عليهم التزاماً لا فكاك منه لدعم شريعته. وراعهم أن وجدوا أن كثيراً من الناس قد أسلموا أنفسهم للغناء والرقص وما أشبه من مظاهر الطرب، وفضلاً عن هذا فإن بعضهم كان يقامر أو يشرب إلى درجة السكر البين، أو يقارف الزنا.

وكان قسم بأكمله من المدينة تحتله بغايا، تحكمهن ملكة الماخور، وكان قبول هذا الموقف بالبشر من فاريل السريع الغضب، وكالفن الحي الضمير، بمثابة خيانة للرب. وأصدر فاريل، "إقراراً بالعقيدة والنظام"، كما أصدر كالفن "عظة" سهلة الفهم، أقرها المجلس الكبير (نوفمبر سنة 1536)، لكي يستعيدا الأساس الديني لأخلاقيات مثمرة. وكان المواطنون الذين يصرون على مخالفة القانون الأخلاقي، يحرمون من الغفران، وينفون إلى خارج البلاد، وأصدر المجلس في يوليو عام 1537 أمراً لجميع المواطنين، بأن يذهبوا إلى كنيسة القدّيس بطرس، وأن يقسموا على الولاء لإقرار فاريل.

وكان أي مظهر ينم عن الكاثوليكية - مثل عمل مسبحة، أو الاعتزاز بإحدى المخلفات المقدسة، أو اعتبار عيد قديس يوماً مقدساً، يعرض مَن يبدر منه للعقاب. وسجنت النساء لارتدائهن قبعات غير لائقة. وكان بونيفار جد سعيد، بما ينعم به من اباحية، ولكنه حذر بأن يمتنع عن ممارسة أساليبه الداعرة. وصفد المقامرون بالأغلال، وسيق مقترفوا الزنا في الشوارع إلى المنفى.

ولما كان أهالي جنيف قد تعودوا على الخضوع لحكم كنسي، كان يقوم على نظام أخلاقي، يتسم بالرفق، فرضته كاثوليكية خففت من شدتها الأقاليم الجنوبية، فإنهم قاوموا التحلل الجديد من الواجبات، ونظم الوطنيون، الذين حرروا المدينة من الأسقف والدوق، أنفسهم من جديد، لتحريرها من قساوستها المتزمتين، وانضمت طائفة أخرى تطالب بحرية الضمير والعبادة، ومن ثم أطلقت على نفسها اسم المتحررين أو الأحرار إلى الوطنيين والكاثوليك الذين يمارسون شعيرتهم في الخفاء، وحصل هذا الائتلاف في انتخابات 3 فبراير عام 1538 على أغلبية في المجلس الكبير. وأبلغ المجلس الجديد القساوسة أن عليهم أن يبتعدوا عن السياسة، فندد كالفن وفاريل بالمجلس، ورفضا أن يناولا العشاء الرباني حتى تتواءم المدينة الثائرة مع النظام المرتكز على القسم، فما كان من المجلس إلا أن خلع كاهني الأبرشية (23 أبريل)، وأمرهما بمغادرة المدينة في خلال ثلاثة أيام. واحتفل الناس بطردهما وسط مظاهر التهليل والابتهاج(27). ولبى فاريل دعوة إلى نويشاتل، وهناك ظل يقدم عظاته إلى آخر يوم في حياته (1565)، وأقيم هناك نصب تذكاري تخليداً لذكراه. وذهب كالفن إلى شتراسبورج، وكانت وقتذاك مدينة حرة لا تخضع إلى الإمبراطور، وتدير شئونها الدينية كنيسة الغرباء، وجماعة المصلين فيها بروتستانت، جاءوا من فرنسا بصفة خاصة. ولكي يدبر أموره بمبلغ الاثنين وخمسين جيلدر (1.300 دولار)؟، الذي كانت تدفعه له كل عام، باع مكتبته، وقبل عنده نزلاء من الطلبة. ووجد أن العزوبة لا تلائمه في موقفه هذا، فطلب من فاريل وبوسر أن يبحثا له عن زوجة، وقدم لهما بياناً بالصفات التي ينشدها، وقال: "لست من هؤلاء العشاق المخبولين، الذين يفتتنهم وجه جميل لامرأة يتجاوزون أيضاً عن أخطائها، وها هو الجمال الذي يغريني - أن تكون عفيفة كريمة غير متأنقة، اقتصادية صبوراً حريصة على صحتي"(28).

وبعد أن قام بمحاولتين فاشلتين تزوج (1540) من إيديليت دي بور، وهي أرملة فقيرة لها سبعة أطفال، فأنجبت منه ابناً واحداً مات في سن الطفولة. وعندما قضت نحبها (1549) كتب يرثيها برقة خاصة كانت تغلفها قسوة الظاهرة. وعاش وحيداً في بيته الخمسة عشر عاماً المتبقية من حياته.

وبينما كان يشقى في شتراسبورج، تحركت الأحداث في جنيف. وتشجع الأسقف المنفي عندما علم بطرد فاريل وكالفن، ووضع خطة لعودة مظفرة إلى كاتدرائيته، وقام بخطوة مبدئية، فأقنع أيا كوبو سادوليتو بأن يكتب "رسالة إلى أهالي جنيف"، "يحثهم فيها على أن يستأنفوا عباداتهم، طبقاً للعقيدة الكاثوليكية" (1539). وكان سادوليتو رجلاً مهذباً يتمتع بخلق قويم، لم يعهده الناس في كاردينال أو عالم بالإنسانيات، وكان قد أشار من قبل على البابوية أن تعالج انشقاق البروتستانت برفق، واستقبل في مدينة كاربنتراس فيما بعد هراطقة والدانيين فارين من المذبحة، وأسبغ عليهم حمايته (1545)، وكتب رسالة باللاتينية رفيعة، تعلمها من بمبو المعصوم، وجهها إلى اخوته الأعزاء المحبوبين، حكام جنيف وشيوخها والمواطنين فيها، وتتألف الرسالة من عشرين صفحة، تحفل بالمجاملات الدبلوماسية والترغيب اللاهوتي، ولاحظ انقسام البروتستانت إلى طوائف متحاربة يتزعمها، كما يدعي، رجال ماكرون، يتشوقون إلى السلطة، وقارن هذا بوحدة الكنيسة الرومانية، التي دامت قروناً طويلة، وتساءل هل من المحتمل أن يكون الحق مع تلك الأحزاب المتعارضة أكثر منه مع عقيدة كاثوليكية أثمرتها خبرة عصور واحتشاد ذكاء المجالس الكنسية. وختم رسالته بأن عرض على مدينة جنيف، أنه على استعداد للقيام بأية خدمة في مقدوره.

وشكره المجلس على تحيته له، ووعده بالمزيد من الاستجابة لمطالبه، بيد أنه لم يكن في جنيف أحد، يأخذ على عاتقه، أن يرفع السيف في وجه عالم الإنسانيات المهذب، أو يجاريه في لاتينيته. وفي غضون ذلك طلب عدد منم المواطنين أن يتحللوا من قسمهم، على أن يؤيدوا إقرار العقيدة والنظام، وخيل للناس فترة ما أن المدينة سوف تعود إلى اعتناق الكاثوليكية، وكان كالفن مدركاً للموقف فخف للرد على الكاردينال، وحشد كل ما يملك من طاقة ذهنية، وشرع قلمه للدفاع عن الإصلاح الديني. وواجه الدماثة باللطف، والبلاغة بالبلاغة، ولكنه لم يتنازل قيد أنملة عن أي مبدأ من مبادئ لاهوته، واحتج ضد إقحامه في النزاع، بدعوى أنه إنما ثار مدفوعاً بطموح شخصي، فقد كان في وسعه أن ينعم بالمزيد من الطمأنينة، لو ظل محافظاً على العقيدة. وسلم بأن الكنيسة الكاثوليكية تستند إلى أساس إلهي، ولكنه هاجمها، وقال إن مثالب بابوات عصر النهضة قد أثبتت استيلاء المناهض للمسيحية على عرش البابوية. واعترض على حكمة المجالس الكنسية بحكمة الكتاب المقدس، التي كان سادوليتو قد تجاهلها أو كاد، وأسف لأن فساد الكنيسة أدى إلى الانشقاق والانقسام، ولكن القضاء على الشرور لا يتم إلا على هذا النحو. وإذا ما تعاون الكثالكة والبروتيتانت الآن، لتطهير العقيدة والشعيرة والعاملين بكل الكنائس المسيحية، فإن جزاءهم وحدة أبدية في السماء مع المسيح. وكان خطاباً قوياً ولعله أغفل الفضائل العارضة لبابوات عصر النهضة، إلا أن عباراته صيغت بأسلوب رصين، لا يخلو من المجاملة، وهو أمر نادر في مناظرات هذا العهد.

وعندما اطلع عليه لوثر في فيتنبرج، رحب به على أساس أنه سيقضي تماماً على الكاردينال، وهتف قائلاً: "لشد ما يطربني أن يهيئ الله أناساً... ينهون الحرب، التي بدأتها ضد المناهض للمسيحية"(29). وتأثر مجلس جنيف إلى حد أنه أمر بطبع الخطابين على نفقة المدينة (1540)، وبدأ يتساءل ما إذا كان، بنفيه كالفن، قد فقد أقدر رجل في الإصلاح الديني السويسري.

وغذت الشك عوامل أخرى، فقد برهن كاهنا الأبرشية، اللذان حلا محل فارل وكالفن، على أنهما لا يصلحان للوعظ، ويفتقران إلى النظام. وفقد الجمهور احترامه لهما، وعاد إلى الأخلاق المنحلة، التي كانت سائدة في الأيام السابقة للإصلاح الديني، وتفشت المقامرة والسكر، واشتدت الحلبة في الشوارع، وانتشر الزنا، وكان الناس يرفعون عقائرهم علناً بالأغاني الداعرة، وانطلق أشخاص في الشوارع، عراة كما ولدتهم أمهاتهم(30). ولقد حكم بالإعدام على واحد من المأمورين الأربعة، الذين تزعموا حركة طرد فاريل وكالفن، وذلك لارتكابه جريمة قتل، وعلى آخر لارتكابه جريمة تزوير، وعلى ثالث بتهمة الخيانة للوطن، أما الرابع فقد مات، وهو يحاول الفرار من الاعتقال. ولابد أن رجال الأعمال، الذين كانوا يسيطرون على المجلس، قد ساءهم هذا الإخلال بالنظام، باعتباره معوقاً للتجارة. ولم يكن المجلس نفسه ميالاً إلى أن يحل محله أسقف، يستعيد سلطانه، وربما يصدر قراراً بحرمانهم من غفران الكنيسة. وهكذا خطرت فكرة دعوة كالفن لغالبية الأعضاء شيئاً فشيئاً. وفي يوم أول مايو ألغى المجلس قرار النفي، وأعلن أن فاريل وكالفن رجلان جديران بالاحترام. وأرسل مندوب إثر مندوب إلى شتراسبورج، لاقناع كالفن باستئناف عمله في الأبرشية بجنيف. وغفر فاريل للمدينة لأنها لم ترسل له دعوة مماثلة، وفي كرم نبيل انضم إلى المندوبين لحث كالفن على الدعوة. ولكن كالفن كان قد عرف كثيراً من الأصدقاء في شتراسبورج، وشعر بأن عليه التزامات هناك، ورأى أنه لن يجد أمامه في جنيف إلا الخصام، وقال: "ليس في العالم مكان أخشاه أكثر منها". ووافق على القيام بزيارة للمدينة فحسب. وعندما وصل إليها (13 سبتمبر سنة 1541) قوبل بكثير من مظاهر التكريم، وقدمت له عشرات الاعتذارات، وبذلت له الكثير من الوعود بالتعاون معه في توطيد النظام، والعمل بالإنجيل فلم يطاوعه قلبه على الرفض، وكتب في 16 سبتمبر إلى فارل يقول: "لقد تحققت أمنيتك. أنا هنا راسخ كالطود. واسأل الله أن يمنحنا بركته"(31).

مدينة الله

كان سلوك كالفن في السنوات الأولى من دعوته، يتسم بالاعتدال والتواضع فكسب إلى صفه الجميع، إلا أقلية ضئيلة، وعين ثمانية من مساعدي القسس للعمل تحت رئاسته لتقويم الخدمة الدينية في كنيسة القدّيس بطرس وغيرها من كنائس المدينة، وكان يعمل مدة تتراوح بين اثنتي عشرة ساعة وثماني عشرة ساعة كل يوم، واعظاً ومديراً وأستاذاً للاهوت، ومشرفاً على الكنائس والمدارس، ومستشاراً للمجالس البلدية، وضابطاً للأخلاق العامة، ومنظماً للطقوس الدينية في الكنيسة. وعكف في غضون ذلك على إضافة فصول لكتابه "القوانين"، وكتب تعليقات على الكتاب المقدس، وحافظ على كتابة رسائل تأتي من حيث القيمة بعد رسائل أرازموس، وإن كانت تفوقها تأثيراً... ولم يكن ينام إلا قليلاً، ويأكل قليلاً، ويصوم كثيراً. وعجب خلفه وكاتب سيرته، تيودور دي ميز، كيف استطاع ذلك الرجل الضئيل الجسم، أن يحمل مثل هذا العبء الثقيل المتنوع. وكان أول عمل قام به هو إعادة تنظيم الكنيسة، التي تناولها الإصلاح، وعين المجلس الصغير، بناء على طلبه، وعقب عودته لفترة قصيرة، لجنة من خمسة من رجال الدين، وستة من أعضاء المجلس، يرأسهم كالفن، لصياغة قانون كنسي جديد. وفي اليوم الثاني من يناير عام 1542 أجاز المجلس القوانين الكنسية، التي لا تزال الكنائس التي تناولها الإصلاح والمشيخية في أوربا وأمريكا تقبل معالمها الجوهرية. وقسمت الخدمة الدينية على كهان أبرشيات ومعلمين وشيوخ كنيسة من العلمانيين وشمامسة.


وألف كهان الأبرشيات في جنيف "الجماعة المبجلة"، التي حكمت الكنيسة، ودربت المرشحين للخدمة الدينية. ولم يسمح كذلك لأحد بالوعظ في جنيف، دون أن يخول ذلك من الجماعة، وكان الأمر يتطلب أيضاً موافقة مجلس المدينة وجماعة المصلين، إلا أن الرسامات الأسقفية - وتنصيب الأساقفة - كانت محظورة.

وأصبح القساوسة الجدد، تحت رئاسة كالفن، أقوى منهم في أي نظام للقساوسة عرف منذ عهد إسرائيل القديمة، وذلك في الوقت الذي لم يدعوا فيه قط أنهم وهبوا القوى الخارقة للقساوسة الكاثوليك، وعلى الرغم من أنهم أصدروا على أنفسهم حكماً بأنهم لا يصلحون للوظيفة المدنية. وقال كالفن إن القانون الحقيقي لدولة مسيحية يجب أن يكون هو الكتاب المقدس، وأن القساوسة هم المفسرون الحقيقيون لذلك القانون، وأن الحكومات المدنية يجب أن تخضع لهذا القانون، وأن تدعمه كما يفسره رجال الدين. ولعل الرجال المتمرسين في المجالس قد راودتهم بعض الشكوك، في هذه النقاط، ولكن يبدو أنهم شعروا بأ