عشاق الله

تكسير الدائرة

نعيش في مجتمع تكثر فيه أسباب الاصطدام والخصام نظرا لتضارب المصالح والأهواء واختلاف الفكر واللغات والعادات بل والظروف والمواقيت، مما يجعل النفس في علاقة توتر دائمة مع الآخر على كافة مستويات التعامل الاجتماعي من أسرة وجيران وعمل وشارع إلى غير ذلك من المجالات الاجتماعية. لذلك تمتلئ قلوب الناس عامة بالجفاء والضغينة والعداء والوقاحة والحسد والقسوة، فيصبح الهدوء والسكينة والسلام مطالب غاية في الصعوبة.
وليس من سبيل للخروج أو الفكاك من دائرة التوتر والاصطدام والقلق سوى سبيل واحد يتلخص في كلمة بسيطة ننطقها أحيانا ولا نسبر أغوارها الغنية: المصالحة. والوصفة غاية في البساطة: لكي نعيش في طمأنينة وسلام داخل أسرتنا ومع جيراننا وفي كافة علاقاتنا مع الآخر علينا أن نقبل الآخر باختلافاته وتناقضاته وعيوبه. وهو أمر لا نقدر عليه إلا إذا امتلكنا سر المصالحة، أي الاستعداد للمصالحة في كل لحظة وحين مع هذا الآخر. وهو سلوك نكتسبه فقط عندما نتعلم المصالحة مع أنفسنا أي قبولنا لضعفنا الشخصي واعترافنا الملموس بنقائصنا، بزلاتنا، بآليات إدانتنا للآخرين ودفاعاتنا الماكرة، بطبيعتنا الخاطئة الأمّارة.
كلنا نعرف القصة: جاء رجال الدين اليهود المتشددون إلى السيد المسيح بامرأة أُمْسِكَتْ فِي زِناً. وَأَقَامُوهَا فِي الْوَسَطِ قائلين له: "يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟" فما كان من السيد المسيح إلا انْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" ثُمَّ انْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ .وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِدا. وَبَقِيَ هو وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسَطِ. فلما انْتَصَبَ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ قَالَ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟" َقَالَت: " لاَ أَحَدَيَا سَيِّد." فقال لها:" ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً" (انظر يوحنا 8).
عندما سأل المسيح اليهود المتشددين ذلك السؤال كان يرمي إلى مواجتهم مع أنفسهم الخطّاءة الأمارة. ومن تم القبول بالضعف البشري، والتوبة إلى الله بطلب الرحمة والمغفرة منه. لا نعرف إن كان أولئك اليهود المتشددون لما انصرفوا من عند المسيح انتحوا مكانا للصلاة والبكاء على أنفسهم وقساوة قلوبهم وطلب المغفرة إلى الله. كل ما نعرفه أن السيد المسيح سار على درب نفس المقاربة داعيا الناس إلى المصالحة مع أنفسهم بواسطة المصالحة مع الله. الله الذي لم يتوان يوما عن إظهار غفرانه وعفوه المتكرر للناس، كاشفا بذلك انه "إله الرحمة والرأفة" (خروج 6:34). والذي استمر حتى في العهد القديم يمد يد المصالحة إلى شعبه من خلال طقوس الطهارة، وشرائع العبادة التي كان هدفها في النهاية مصالحة الانسان مع الله وع نفسه ومع أخيه الإنسان. ومع ذلك لم تتم المغفرة الكاملة، لأن الناس كانوا موعودين بمجيء الأفضل الذي ظلوا ينتظرونه حتى جاء مجسدا في السيد المسيح ليتم المصالحة النهائية بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. مستويات تراتبية من المصالحة تمت في لحظة واحدة على صليب المجد لخصها الرسول بولس بقوله:
"فَإِنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، ذَاكَ الَّذِي جَعَلَ الْفَرِيقَيْنِ وَاحِداً وَهَدَمَ حَائِطَ الْحَاجِزِ الْفَاصِلَ بَيْنَهُمَا، أَيِ الْعِدَاءَ(...) لِكَيْ يُكَوِّنَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِنْسَاناً وَاحِداً جَدِيداً، إِذْ أَحَلَّ السَّلاَمَ بَيْنَهُمَا، وَلِكَيْ يُصَالِحَهُمَا مَعاً فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ الَّذِي بِهِ قَتَلَ الْعِدَاءَ." (أفسس 2: 14-17)
فهل نحن مستعدون لامتلاك سر المصالحة؟
نادر عبد الأمير