حكيم سنائي: شذرات من المثنويات

حكيم سنائي: شذرات من مثنوياته

من (كتاب العقل ) :

ـ وأنت كالملك، خفة وسرعة، حذاؤك من الماء، وقلنسوتك من النار.
أحيانا تقبل شفتاك السماء، وأحيانا أخرى تقبل الأرض.
و تستطيع أن تزلزل الجبل الشامخ من أساسه، مع انك لا تملك مثقال ذرة
تراب واحدة.

ـ دفتر البلهاء على صدرك، وغموض الحمقى في رأسك.
فأنت ثروة المجانين، و أنت ظل المنعمين في الجهل.

ـ فانهض واسلك طريق السفر، وانظر فينا إذ أننا موطنك.ـ عندما تتأمل في نقطة الارتكاز، سوف تقطع آلاف المراحل إلى الأمام.
ـ لو لم يوجد هذا الجسم، لو لا هذا الحجاب
لما أدخلت قدمك بيننا، ولما كان لك أي وزن.ـ عندما تواجه الطريق لأول وهلة، تشعر بأنها مظلمة.
ـ ترى فيها جبالا، باذخة شامخة، وترى فيها جماعات من السباع والوحوش المفترسة.ـ و اصعد إلى الدرجة التي ترى فيها العالم كله، وترى ملكا بدون أحزان
وترى عالما بلا ارض أو زمان، وترى ملكا دون مكين أو مكان
فارتفع واتجه إلى العلا، حتى ترفع رأسك شرفا وعزة
وعندما تصل إلى العلا، فسوف تبعد عنك الدنايا
حتى تفتح عيون قلبك، وننظر إليك بدون حجاب
وعندما تنظر إلينا بعين العقل، سوف تدرك ضآلة نفسك وعجزك
وتتجرد من التخيل والتخمين، ولن تستطيع أن تعد نفسك شيئا
فهدئ من حدة كبريائك، واستعد
لترى في قلبك حجتنا، لترى التاج والعرش وملكنا.ـ إن الجاهل يسمع كلامه فحسب، دون أن يلتفت إلى كلام الآخرين.

من ( كتاب العشق )

ـ وعندما حل العشق بقلبك، نزع قيد العبودية عني
ثم أعاد احتشام السماط، فرأى في النور انبساط البساط
ورفع عني جميع القيود، فصرت مولى بعد أن كنت عبدا
فتحولت جميع أحوالنا، وتبدلت جميع صفاتنا * * *


فرفع القيد عني ووضعه عليك، فأنت الآن عبد، وأنا حر
أنت أسيري وأنا أميرك، فكيف يقترب الأسير من الأمير ؟
فانظر وتخيل مملكتك، بل إن أسرك لن يمكنك من هذا

من (قصر سنائي )

ـ العارفون طيور هذا البستان، والعاشقون صيادو هذه الغابة
بصرهم حاد في ظلمة الليل، في هذا الزمن الأعمى والعالم الغادر
يرون النار وجنة الخلد عيانا، نار العشق في قلوبهم، والدموع في أعينهمـ اجمع خواطرك المبعثرة، حتى تكون عالما بالمعنى والحقيقة ـ إذا استيقظ القلب فالكلام ذكر، وإلا فهو مجرد صوت

  من ( تحريم القلم )

ـ مرحبا بك يا صاحب الحبر الأسود، يا ذا اللسانين، يا من تتحدث بلا روح او قلب.
لسانك يبين كل ما يجري من وهم في الضمير
عندما تبدو حاذقا، تتفتح عين مضيئة في القلب الأسود
عندما يأتي إليك الحبر الأسود، كالمسيح عندما نفخ الروح فيه
أنت موقظ الضمير، وأمير لواء الوهم

  من ( طريق التحقيق )

مر حمار ذات يوم على دكان حداد
قضاءا انبعثت شرارة من الكير على حزمة الحطب
فانبعثت النار في الحطب فاحترق، وفي النهاية احترق الحمار بين ذلك
ومن العجب أن تمر على سقر حاملا حطبا وتنجو بروحك !!
لن تمر وتتجاوز لثقل الحمل، فأنت مأخوذ تحت حمل ثقيل
الأكل والنوم هما عادتك، وهذا نصيبك من السعادة.ـ لقد خرب الظلم أساس بنيان العالم، واختفى وجه شمس العدل تحت السحاب.
ـ فالظلم مهما كان فاعله فهو سيئ جدا، والظالم مهما كان فهو قبيح جدا
ـ أينما توجه العدل بوجهه، ازدادت النعمة وحلت
وكل مكان تزرع فيه شجرة الظلم، تقتلع منه جذور الملك
ـ العدل شمعة تضيء الدنيا، وظلم الملك نار تحرق الممالك.ـ فأنا كالشمع أنير المجلس، ودائما ما احرق خيوط روحي
هذه الأشعار من لب روحي، فان خرجت طيبة او سيئة فمن لساني
فلست في الشعر عالة على أحد، و لا أطير بأجنحة أحد أو قوادمه

  من ( كتاب أعمال بلخ )

ـ وكان اثر خدي على الطريق، كأثر خف الإبل
كنت كالطفل الذي لابد له من صعود الجبل
كانت دموعي تجري مثل اللؤلؤ، وكان السيف من كثرة سقوط البرد عليه
مثل الماس
وعلى خلاف الطبيعي، صار قلبي كالحجر، وعيني دامعة كالبدر
صار وجهي مصفرا من دموعي، وظهرت فيه النقاط مثل جلد النمر
وعندما كان الفهد يرى هذا المنظر، كان يهرب خوفا على نفسه وليس
غاضبا
لم يمكث أحد على هذه الجبال، إلا وكسرت عظامه
أصبحت دموعي كالياقوت، برغم انعدام قوتي، وانتهاء قوتي
ولولا خلو بطني من النعيم، ما كنت لأخاف من أي شيء
و كان مؤنسي في هذه الطريق، صوت السباع والحمير.

  من ( سير العباد الى المعاد )

ـ تجولت سنوات طويلة في هذه المقامات للعبرة والنظر والتدبر في الكون
فحينا كنت في بغداد للعلم، وحينا كنت في بيداء الوهم، وحينا كنت في
الفردوس وآخر كنت في الهاوية
حينا كان قلبي شمع طريق الغيرة، وحينا كانت نفسي غريقة في بحر
الحيرة
حينا كنت في الكشف والمكاشفة، وآخر كنت تحت الحجب والستور
حينا كان لطف البسط يسكرني، وحينا كان عنف القبض يدفعني
وحينما مزقت هذه الحجب، وصلت الى حجاب آخر
وهو حجاب ذاته الذي كان من النور، بل كانت حجبا، كل حجاب كان حجابا
لحجاب.