عشاق الله

برتولومي دي لاس كازاس: المسيحي الثائر

برتولومي دي لاس كازاس : المسيحي الثائر

لولا هذا المطران الكاهن الثائر على مسيحية عصره وما ارتكبته من فظائع ومذابح في القارة الأميركية لضاع جزء كبير من تاريخ البشرية. فإذا كان كولومبوس قد اكتشف لنا القارة، فإن برتولومي هو الشاهد الوحيد الباقي على أنه كانت في هذه القارة عشرات الملايين من البشر الذين أفناهم الغزاة بوحشية لا يستطيع أن يقف أمامها إلا مستنكراً لها، شاكاً في إنسانية البشر الذين ارتكبوها، متوجساً خائفاً من تكرار بعض مشاهدها في عالم صارت فيه السكين أبلغ الواعظين ، وأتقى الأتقياء وسلطان الحجج والبراهين.

 

وُلد "برتولومي دي لاس كازاس" عام 1474م في قشتالة الإسبانية، من أسرة اشتهرت بالتجارة البحرية. وكان والده قد رافق "كولومبوس" في رحلته الثانية إلى العالم الجديد عام 1493م، أي في السنة التالية لسقوط غرناطة وسقوط الأقنعة عن وجه الملوك الإسبان والكنيسة الغربية. كذلك فقد عاد أبوه مع "كولومبوس". "بصحبة عبد وهندي"، فتعرف "برتولومي" على هذا العبد القادم من بلاد الهند الجديدة.

 

بذلك بدأت قصته مع بلاد الهند وأهلها وهو ما يزال صبياً في قشتالة يُشاهد ما يرتكبه الإسبان من فظائع ضدّ المسلمين، وما يريقونه من دمهم وإنسانيتهم قبل أن يراهم يسفكون دم الهنود وإنسانيتهم في العالم الجديد. لقد جرى الإتيان بالخبر اليقين أمام عيني هذا الراهب الثائر على أخلاق أمته ورجال كنيستها، وبعثات تبشيرها: دم المسلمين ودم الهنود، سكان القارة الأمريكية.

 

وبعد أن أنهى لاس كازاس دراسة اللاهوت أبحر إلى جزيرة "سان دومينغو" (وكان يطلق عليها في ذلك الزمان اسم الجزيرة الإسبانية) عام 1502. ثم عُين كاهناً في عام 1513. وكان بذلك أول راهب إسباني معين رسمياً في بلاد الهند الغربية التي اجتاحها الإسبان.

 

وكانت هذه البلاد قد سميت ببلاد الهند، وسُمي أهلها بالهنود لأن "كريستوف كولومبوس" حين وصل إلى القارة الأمريكية، ظنها شبه الجزيرة الهندية، ولم يصدق في البداية أنه قد اكتشف للعالم قارة جديدة. ذلك سميت تلك القارة ببلاد الهند، وسُمي أهلها بالهنود، أو ما يُعرف عند العامة بالهنود الحمر.

 

وكان ملك إسبانيا قد أقطعه مستعمرة عاش فيها، وأعطاه سلطة مطلقة تضمن حق الحكم بالحياة والموت على أي هندي، كما أقطع معظم الإسبان الغزاة تلك الأراضي التي لا يملكها، ومنحهم تلك الحقوق التي أدت إلى إفناء الملايين من الأبرياء.

 

وعاش "لاس كازاس" فترة في "سان دومينغو"، ثم انتقل إلى كوبا. وما لبث أن قرف واشمأز من وحشية الغزاة بعد أن شاهد بعينيه المذابح الدموية التي ارتكبها المسيحيون الإسبان في جزيرة كوبا، ووصفها لنا وصفاً مذهلاً في كتابه الآخر "تاريخ الهنود". وكانت نقطة التحول في حياة ذلك الراهب الذي صار ملعوناً من أبناء أمته الإسبان ومكروهاً من كنيسته وإخوانه الرهبان. أما الملوك الإسبان فكانوا يمعنون في غيهم كلما أمعن في النصح لهم، وأما إخوانه الرهبان فكانوا كما وصفهم أحد الزعماء الهنود: لا يعبدون إلا الذهب. ولقد وصفهم "لاس كازاس" بقوله:

 

"كانوا يسمون المجازر عقاباً وتأديباً لبسط الهيبة وترويع الناس. كانت هذه سياسة الاجتياح المسيحي: "أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها.. مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة".

 

لقد تعرى "لاس كازاس" من كل شيء. ولم يبق منه إلا الإنسان. فما رأته عيناه لم يره أحد من العالمين. كان الإسبان الذين معه، رهباناً وطغاة، لا يرون في دم قتلاهم إلا الذهب الذي يسرقونه. أما "لاس كازاس" فلم يبق له من إسبانيته إلا الخجل والعار، ومن مسيحيته إلا الخيبة والمرارة. وكان في شهادته التاريخية النادرة على إبادة سكان القارة الأميركية وحيداً فريداً. كان إنساناً، لا إسبانياً ولا مسيحياً. ومع ذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يتهمه في دمه الإسباني، أو في دينه المسيحي.

وهذا أعظم ما في شهادة "لاس كازاس" على وحشية قومه.

 

كان يتحدث عن الإسبان ويقصد المسيحيين، ويتحدث عن المسيحيين ويقصد الإسبان، وكان يشكو ويتألم من القتلة الطغاة ومن التبشير والمبشرين. وإنه كثيراً ما كان يصف لك القاتل والمبشر في مشهد واحد فلا تعرف ممن تحزن: أمن مشهد القاتل وهو يذبح ضحيته أو يحرقها أو يطعمها للكلاب، أم من مشهد المبشر الذي تراه خائفاً من أن تلفظ الضحية أنفاسها قبل أن يتكرم عليها بالعماد، فيركض إليها لاهثاً يجرجر أذيال جبته وغلاظته وثقل دمه لينصِّرها بعد أن نضج جسدها بالنار أو اغتسلت بدمها، أو التهمت الكلاب نصف أعضائها وأحشائها.

 

ونقل إلينا صوراً ساخرة عن طريقة التبشير حين كانت الحملة تصل إلى المدن والقرى الهندية بعد منتصف الليل، وكانت تعلن على الهنود باللغة الإسبانية التي لا يفهمها أحد:

"يا سكان القرية (أو المدينة) إننا نعلمكم بوجود إله، ووجود "بابا" ووجود ملك قشتالة سيد هذه الأراضي، فاخرجوا وأعلنوا الطاعة، وإلا فإننا سنحاربكم ونقتلكم".

وكان الفجر ينبلج عن حمام الدم وأفق الضحايا البريئة. "كانوا ينصبون المشانق في مجموعات.كل مجموعة ثلاثة عشر مشنوقاً، من أجل تكريم وتبجيل السيد المسيح وحوارييه الاثني عشر"! وكما قال لاس كازاس عن الإسبان:

"لقد قتل المسيحيون كل هذه الأنفس البريئة، وفتكوا كل ذلك الفتك باسم الدين. وكم من جرائم ارتكبوها باسم التبشير"..

"لقد ظل الإسبان طوال هذه السنين يكتبون ويزعمون أن الله أرسلهم لفتح هذه البلاد التي كانت آمنة مطمئنة، وأن الله هو الذي نصرهم على هذه الأمم. كانوا يحمدون الله في صلواتهم ويشكرونه لأنه أعطاهم كال هذه الخيرات، ولأنهم قاموا بكل هذا الطغيان".

 

ولم يكن "لاس كازاس" مبالغاً في وصفه، بل كان يعتذر من عجزه عن وصف كل ما جرى. ويعتقد أنه ليس هنالك من يستطيع أن يسرد ما حصل فعلاً. إن العقل الجسور والخيال الجموح ليعجزان عن الفهم والإحاطة، فإبادة عشرات الملايين من البشر في فترة لا تتجاوز الخمسين سنة هول لم تأت به كوارث الطبيعة. ثم إن كوارث الطبيعة تقتل بطريقة واحدة. أما المسيحيون الإسبان فكانوا يتفننون ويبتدعون ويتسلون بعذاب البشر وقتلهم. كانوا يجرون الرضيع من بين يدي أمه ويلوحون به في الهواء، ثم يخبطون رأسه بالصخر أو بجذوع الشجر، أو يقذفون به إلى أبعد ما يستطيعون. وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يلقونه، ورموه إلى أشداقها، ثم أتبعوها بباقي الجسد. وإن المرء لا يستطيع أن يصدق أن الإسبان المسيحيين الذين جاؤوا إلى العالم الجديد ليبشروا بدين "المحبة" كما يزعمون كانوا يقتلون الطفل ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه وقدميه قائلين: إنها أشهى لحم في الإنسان.

 

لم يكونوا يقتلون بل يتلذذون بالقتل، ولم يكونوا يعذبون ويبطشون، بل كانوا يستمتعون ويطربون لمشهد العذاب والبطش. ولقد اخترعوا في فن التعذيب ما يضاهي اختراعاتهم في فنون القتل. وسأترك للقارئ أن يعرف ذلك من شهادات المؤلف التي تركها لنا في هذا الكتاب النادر، إنها شهادات هزت أعماق الكثيرين من أبناء أوروبا وأميركا حين نُشرت، وتركتهم يعيدون النظر في تاريخهم وأخلاقهم وديانتهم المسيحية، شهادات على إبادة أمة من عشرات الملايين من البشر، أو على ما يسميه "لاس كازاس" بدمار بلاد الهند.

 

كانت القرارات البابوية هي التي منحت ملوك إسبانيا حق امتلاك الأراضي في ما وراء البحار. وكان هذا الحق يعني، كما تحدث عنه مؤلف كتابنا: نهب البلاد وإفناء العباد. وكانت القرارات البابوية تقضي بأن يكون التبشير أولاً، والاستعمار ثانياً، أي أن يكون للرهبان أولوية على العسكر الغزاة، وأن تكون الغنائم للكنيسة كما الدولة. واكتشف الرهبان أن العسكر قد تولوا أمر التبشير بأنفسهم وعلى طريقتهم، وأن ذهب العالم الجديد قد "طار" من يد الكنيسة، ولم يبق أمام الرهبان إلا الشكوى.

 

ويصف لنا (لاس كازاس) بعض الرهبان وهم يلهثون وراء الذهب، ويحدثنا عن رئيس المطارنة الذي كان يرسل خدمه ليأتوه بحصته منه. لقد كانوا جميعاً متفقين على سرقة البلاد، عسكراً ورهباناً. هؤلاء يريدون الذهب بتعذيب الأجساد وقتلها، وأولئك يريدونه بتعذيب الأرواح وقتلها. وكانوا جميعاً يشهرون سيف المسيح، والمسيح عليه السلام براء منهم ومن أعمالهم وأخلاقهم.

 

رأى "لاس كازاس" كل ذلك بعينيه، وأرسل الرسائل المتعددة إلى ملك إسبانيا يستعطفه ويسترحمه ويطالبه بوقف عذاب هؤلاء البشر، وكانت آذان الملك الإسباني لا تسمع إلا رنين الذهب. ولماذا يشفق الملك على بشر تفصله عنهم آلاف الأميال من بحر الظلمات ما دامت جرائم عسكره ورهبانه في داخل إسبانيا لا تقل فظاعة عن جرائم عسكره ورهبانه في العالم الجديد؟ كان الإسبان، باسم الدين المسيحي الذي يبرأ منه المسيح عليه السلام، يسفكون دم الأندلسيين الذين ألقوا سلاحهم، وتجردوا من وسائل الدفاع عن حياتهم وحرماتهم. وكان تنكيلهم بهم لا يقل وحشية عن تنكيلهم بهنود العالم الجديد. لقد ظلوا يسومون المسلمين أنواع التعذيب والتنكيل والقهر والفتك طوال مائة سنة فلم يبق من الملايين الثلاثين مسلم واحد، كما ساموا الهنود تعذيباً وفتكاً واستأصلوهم من الوجود.

 

كانت محاكم التفتيش التي تطارد المسلمين وتفتك بهم، ورجال التبشير الذين يطاردون الهنود ويفتكون بهم من طينة واحدة تدل على ما وصلت إليه قلوب أولئك المزعومين على المسيح عليه السلام من غلظة وقسوة ووحشية.

 

وواضح من وصف المؤلف أن الهنود الذين أبادهم الإسبان كانوا من أكثر شعوب ذلك الزمان براءة وطيبة، وقد كان هذا مقتلهم. فكلما سمعوا بوصول الإسبان إليهم خرجوا إليهم مرحبين يحملون إليهم الهدايا. وكان الإسبان دائماً يأخذون منهم الهدايا ويقتلونهم على الفور، أو يدعونهم إلى سفنهم ليبحروا بهم ويبيعوهم عبيداً. وكان هذا "السيناريو" يتكرر في معظم القرى والمدن الهندية.. ومع ذلك ظل الهنود لا يصدقون أن بإمكان هؤلاء أن يقتلوهم، ولم يعرفوا لماذا يقتلونهم. وقد قال عنهم "لاس كازاس":

 

"إن هذه الشعوب أسعد أهل الأرض، وإن بلادهم أسلم بلاد الله وأكثرها طمأنينة... إنها شعوب رضية لا يعرف الشر، طيبة بالغة الوفاء، بل إنها أكثر الشعوب تواضعاً وصبراً ومسالمة وسكينة. إنها لا تعرف الضغينة ولا الصخب ولا العنف والخصام. شعوب تجهل الحقد وسوء الطوية، وتعف عن الثأر والانتقام. شعوب مرهفة ناحلة هزيلة لا تطيق أجسادها الرهق، وسرعان ما يهلكها المرض... ولقد غشي الإسبان هذا الخراف الوديعة غشيان الذئاب والنمور والأسود الوحشية التي لم تجد طعاماً أياماً وأياماً.."

ألا ترى أنهم فتكوا بهم كما فتكوا بنا فأصابوهم وأصابونا في مقتل واحد.

ألا ترى أن الحروب الصليبية لم تتوقف عن حملاتها المعلنة إلا بعد أن اكتشف الغربيون ما يطفئ عطشهم إلى الذهب والدم في القارة الأميركية.

 

ألا ترى أن هذه الحملات لم تعد إلى بلادنا بصورتها الجديدة إلا يوم استنفد الغربيون أغراضهم من القارة الأميركية فجعلوها لهم أرضاً وتاريخاً وديناً، كما كانوا يريدون لبلادنا أن تكون لهم أرضاً وتاريخاً وديناً. وما زالوا يريدون. وأنها سيرة تتكرر هنا وهناك.. سيرة البندقية والتوراة التي تروى هنا لأول مرة لقراء العربية فتسد فراغاً كبيراً حول أصل هذه الإبادات وأخلاق أهلها وجنسهم ودينهم.

 

في عام 1514 قرر "لاس كازاس" أن يضع قانوناً للإصلاح، وأن يقنع ملك إسبانيا فرديناند العجوز بضرورة تنفيذه، محاولاً التوفيق بين مصلحة الخزينة الإسبانية وبين إنقاذ الهنود من الإبادة، غير أن فرديناند توفي وخلفه "شارل كانت" الذي لم يقبل بإعادة النظر في الاجتياح الإسباني، بل إنه خطط لاستعمار ما تبقى من القارة، وبعث بالقائد الشهير "كورتيس" لغزو المكسيك وبيزار والبيرو.

 

وفي عام 1520 أبحر "لاس كازاس" إلى منطقة كومانا على الساحل الفينزويللي، وكان شاهداً على الحرق والقتل والدمار الذي ارتكبه المسيحيون الإسبان في فنزويلا، كما شاهد الهنود وهم يثورون لأول مرة على هذه المذابح والفظائع، وكيف أن الإمبراطور الإسباني أرسل حملات تأديب تميزت بوحشيتها الشديدة،، وارتكبت مزيداً من المذابح. بل إن أتباع "لاس كازاس" من الرهبان اشتركوا فيها واستشروا.

 

وكان هذا الفشل المر منعطفاً حاسماً في حياة هذا الكاهن الثائر فتخلى عن كل أملاكه، وأقلع عن التعاون مع الإسبان نهائياً، وانصرف إلى الدراسة والبحث. وكتب رسالته الشهيرة إلى المجلس الإسباني عام 1531م قائلاً فيها: لقد قال السيد المسيح: "هأنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب"، فلماذا يا سادتي ترسلون الذئاب الجائعة المتوحشة التي تذبح وتهلك النعاج؟.

 

وأحرز "لاس كازاس" شيئاً من النصر في عام 1540م حين منحه حاكم غواتيمالا الإسباني منطقة "حراماً" أوكل إليه أمر تحويلها إلى أرض سلام... غير أن موجة التهديد والعدوان ثارت عليه في كل الإمبراطورية الإسبانية فأخفقت التجربة، لكنه لم ييأس، بل توجه إلى مدريد وواجه الإمبراطور، وأقنعه بوضع قوانين الإصلاح الداعية إلى إلغاء عبودية الهنود وإبادتهم، وهي القوانين التي لم تنفذ أبداً، ثم طويت في أدراج النسيان.

 

وعاد إلى المكسيك عام 1544، ولم يبق فيها أكثر من عامين زهق فيهما من عنت المستعمرين الغزاة ومظالمهم. وحين طالب بتدخل القضاء ضحك منه القضاة وتخلوا عنه كما تخلى عنه أعضاء أسقفيته. ثم تعرض للسباب والشتائم والإهانات من إسبانيا ومن البلاد المغزوة.. وكلها يجمع على أنه عدو لإسبانيا. وكانت نهاية التجربة المرة التي عاد بعدها إلى إسبانيا، وأمضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته في عزلة كاملة يؤلف ويرد على التهم التي توجه إليه.

 

إن أحداً لا يعلم كم عدد الهنود الذين أبادهم الغزاة الإسبان، ثمة من يقول إنهم مئتا مليون، ومنهم من يقول إنهم أكثر, أما لاس كازاس فيعتقد أنهم مليار من البشر. ومهما كان الرقم فقد كانت تنبض بحياتهم قارة أكبر من أوروبا بسبع عشرة مرة، وها قد صاروا الآن أثراً بعد عين.