عشاق الله

في مسألة التنصير

 

في مسألة التنصير

 

 

تتصاعد بين الفينة و الأخرى أصوات استنكار و احتجاج في بعض البلدان الإسلامية ضد ما يسمى بحملات التنصير. فنسمع من هذه الجهة أو تلك أن عددا من الأشخاص خصوصا الشباب اعتنقوا المسيحية سواء أثناء تواجدهم في الخارج، أو نتيجة اشتغال المبشرين في الداخل، و أن ذلك يكشف مؤامرة الغرب المسيحي ضد الإسلام و يشكل خطرا على باقي شباب الأمة، و غير ذلك من الأقوال التي ألفناها في بعض وسائل الإعلام الإسلامية. و قد تتبعنا قبل مدة قصة عبد الرحمن الأفغاني الذي تنصر، و كيف ثارت ثائرة العديد من المسلمين على ذلك العمل "الشنيع"، و تعالت الأصوات لتطبيق حد الردة في حق الرجل، و تبليغ رسالة التهديد بالموت إلى كل من حذا حذوه من أبناء الأمة.

 

لكن تنسى هذه الجهات أن قرار اعتناق دين آخر أمر يدخل في صميم حرية الفرد التي تضمنها جميع المواثيق الدولية، و على رأسها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل حق الإنسان في اختيار عقيدته، و هو ميثاق التزمت به البلدان الإسلامية. فكيف نطرب و نهلل لاعتناق نصراني دين الإسلام، و نجعل من ذلك حدثا إعلاميا، متجاهلين حتى أن نحيي بلد هذا النصراني الذي لم يقم الدنيا و يقعدها لأن أحد مواطنيه اعتنق دينا آخر. ثم نهدد و نتوعد كل من سولت له نفسه من المسلمين فعل نفس الشيء.

 

كيف نشيد المساجد لدى ما نسميه الغرب المسيحي، و نؤسس الجمعيات الإسلامية، و نطبع المصاحف بملايين النسخ و نوزعها هناك، و يتحرك الدعاة بكل حرية دون مضايقة من أحد، بل كيف يقيم فوق أرض هذا الغرب قادة الجماعات الأشد غلوا الذين ضاقت بهم حتى دار الإسلام، ثم ندعو بالويل و الثبور إذا اكتشفنا في بلدنا الإسلامي أن بعض الشباب لهم علاقة بجماعة مسيحية أو توصلوا بنسخ من الإنجيل أو اختارو أن يعتنقوا المسيحية، و نمضي بعد ذلك في مضايقتهم بكل ما نملك من وسائل حتى يتخلوا عن اعتقادهم أو يمارسوا شعائرهم خفية في سراديب البيوت بحيطة و حذر و خوف. إنها ازدواجية في التعامل خطيرة و مقيتة و لا تخدم الإسلام و لا الحضارة في شيء.

 

ثم هل دخول نصراني في الإسلام يعلي من شأن الإسلام، و هل خروج مسلم من الإسلام يقلل من شأن الإسلام. لا أظن أن مسلما واحدا يجيب هنا بالإيجاب. الإسلام بما هو عقيدة و فكر و مبادئ و حضارة أعلى من أن يعلي من شأنه فرد بدخوله الإسلام، و أكبر من يحط من قيمته اعتناق مسلم لعقيدة أخرى. ثم إن القرآن مثلما قال المفكر جمال البنا تكلم عن حرية الاعتقاد باعتبار أنها مطلقة "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".. بل أكثر من هذا اعتبرها الإسلام مسألة شخصية لا دخل فيها للنظام العام ولا أن تتدخل فيها أي هيئة أو أفراد "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها".. إنها قضية ضمير. يبقى القول أن كل عقيدة تلجأ إلى القمع و التهديد و المنع لضمان استمرارها لا تستحق أبدا البقاء.

 

نادر عبد الأمير