صيحة التحدي

  صيحة التحدي

"ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"
(رو8: 37)

ليس هناك بين السجلات عن الآلام البشرية والصبر والاحتمال ما يُثير الشجون، بقدر ما دونه بولس عن اختباراته في أفسس عند دعوته قسوس كنيستها إلى شاطئ ميليتس، وإلقاء خطابه الوداعي عليهم. وفى هذا الخطاب أيضاً يقتبس كلمات المزامير القديمة، المتضمنة بأنه كان يُمات كل النهار، وحُسب كخروف للذبح. ثم يعدد الضيقات والآلام والاضطهادات والجوع والعُرى والأخطار والسيف، كعناصر جوهرية ينبغي أن تمتلئ بها كأسه. يُضاف إلى هذه، الآلام المستمرة المتسببة عن شوكة الجسد.

وإننا لنعجب أشد العجب أن يُتاح لإنسان كهذا أن يكون أعظم من منتصر، تحت ظروف معطلة كهذه، وأمام قوات مقاومة كهذه، ونتيجة لكل هذا. وواضح أننا يجب أن نبحث عن سر نصرته خارجاً عن نفسه.

كان السر هو "بالذي أحبنا". إنه لم ينتصر فحسب بل كان أعظم من منتصر. إنه انتصر بكل سهولة، وعاد بغنائم الانتصار، وذلك لأنه كان يومياً على اتصال بمن أحبه، ويحبه، وسيحبه إلى الأبد. ومَنْ كان يمده دواماً بقوى عظيمة كما يمد العمال زميلهم بالأوكسجين باستمرار، إذ يغوص في أعماق البحار لطلب اللآلئ.

لذلك فقد كان الأمر الوحيد الذي يشغل الرسول هو؛ هل يمكن أن يفصله أي شيء عن الرب الحي المحب "مَنْ سيفصلنا عن محبة المسيح". ولذلك فقد بحث عن أقصى حدود الكون لأنها تشمل كل شيء بينها، فتساءل أولاً عن أقصى حدود الوجود "الموت والحياة". ثم أقصى حدود المخلوقات "الملائكة والرؤساء والقوات". ثم أقصى حدود الزمن "الأمور الحاضرة والمستقبلة". ثم أقصى حدود المكان "العلو والعُمق"، وأخيراً أقصى حدود المسكونة المخلوقة "خليقة أخرى". واستراح إذ أدرك بأنه لا شيء فيها يستطيع أن يفصله عن محبة الله.

إيه أيتها المحبة المباركة التي تنزل إلينا من قلب الرب يسوع، محبة الله الأبدية التي تأتينا بالمسيح، لا شيء يستطيع أن يعطل سيرك أو يستنفذك ، أو يقطع عليك الطريق. إنها لا تدعنا نذهب، بل تقفز فوق كل جبال الصعوبات دون أن تكل أو تمل. وطالما كان لا شيء يستطيع أن يفصلنا عن محبة الله، فإنه يستمر في محبتنا إلى الأبد.
ف.ب. ماير

----------------