وطن شريف

 

كانت ميسون بنت بحدل امرأة من نصارى قبيلة كلب وأبوها بحدل بن أنيف من بني الحارثة بن جناب. وقد وصفها ابن عساكر في تاريخ دمشق وغيره بالذكاء وقالوا أنها كانت لبيبة ورعة وهي زوجة معاوية بن أبي سفيان وأم ابنه يزيد. وكانت امرأة بدوية فلما تزوجت معاوية ونقلها من البدو إلى الشام ضاقت نفسها لما تسَرّى عليها، وكانت تكثر الحنين إلى أناسها والتذكر لمسقط رأسها، فعذلها على ذلك وقال لها: أنت في ملك عظيم وما تدرين قدره وكنت قبل اليوم في العباءة. فقالت (من الوافر):

لبيت تخفـق الأرواح فـيه

أحب إلي من قصر منيفِ

 

ولبس عباءة وتقرّ عـينـي

أحب إلي من لبس الشفوفِ

 

وأكل كُسيرة في كسر بـيتـي

أحب إلي من أكل الرغـيفِ

 

وكلب ينبح الـطُـرّاق دونـي

أحب غلي من قـط ألـوفِ

 

وبكرٌ يتبع الأظعـان صـعـبٌ

أحب إلي من بغـل زفـوفِ

 

أصوات الـرياح بـكـل فـج

أحب إلي من نقر الـدفـوف

 

وخرق من بني عمي نـحـيف

أحب إلي من علج عـلـيف

 

خشونة عيشتي في البدو أشهى

إلى نفسي من العيش الظريف

 

فما أبغي سوى وطنـي بـديلاً

فحسبي ذاك من وطن شريف

 

فلما سمع معاوية الأبيات قال لها: ما رضيت يا ابنة بحدل حتى جعلتني علجاً عليفاً. قال اللخمي: (فطلقها وألحقها بأهلها وقال لها: كُنْتِ فَبِنْتِ. فقالت: لا والله ما سُرِرْنا إذ كُنَّا ولا أسِفْنا إذ بِنَّا.