عشاق الله

شجاعة بهجت بن حاتم

نشأ بهجت بن حاتم في بلدة صغيرة، وكان والده أحد شيوخ البلدة. هناك كان الشيوخ هم الذين يبثون في أمور كثيرة وفقا لمشيئة السلطان علي العادل الذي كانت كلمته بمثابة قانون. فوالد بهجت وشيوخ البلدة كانوا يقررون أشياء كثيرة، بما في ذلك اختيار الزوج أو الزوجة للأبناء والبنات لأنهم توصلوا إلى أن تنظيم الزيجات طريقة مهمة للجمع بين العائلات. هكذا على الرغم من أن المرء قد يستطيع تخمين الفتاة التي يريد الزواج بها، إلا أن النتيجة تكون أحيانا مختلفة إذ كان الشيوخ يختارون فتاة أخرى لتأكيد سلطتهم!

كان بهجت فتى هادئا يحب القراءة. فعندما كان أقرانه يمارسون الرياضة في الخارج، كان هو في البيت يقرأ. ولأن القليل من الناس كان يستطيع اقتناء الكتب، فقد دأب بهجت على الذهاب بانتظام إلى المكتبة التي أصبحت ملجأ له. كان يعرف اللغة العربية فقط، إلا أن الشاعر الفارسي عمر الخيام كان شاعره المفضل. لذلك كان يقرأ شعر عمر الخيام مترجما، لكنه كان يتوق إلى تعلم اللغة الفارسية وقراءة قصائده باللغة الأصلية.

لكن عمر الخيام لم يكن شاعرا فقط، بل كان أيضًا عالم رياضيات وفلك وفيلسوفًا. سوى أن الشاب بهجت لم يكن عالم رياضيات أو فلك، لكنه أدرك أن شعر الخيام كان أحد الوسائل التي يعبر بها عن فلسفته. مثل قوله:

سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر
نادى مِن الحانِ: غُفاة البشَر
هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن
تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر

أطفئ لظَى القلب ببرد الشراب
فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب
وعيشُنا طيف خيالٍ، فَنل
حظّكَ منهُ قبلَ فوَت الشباب

رأيت خزّافاً رحاهُ تَدور
يجدُّ في صوغِ دنانِ الخمور
كأنهُ يخلطُ في طينها
جمجمة الشاهِ بساق الفقير

عش راضياً واهجر دواعي الألم
واعدل مع الظَالم مهما ظلَم
نهايةُ الدُنيا فناءٌ فَعش
فيها طليقاً واعتبرها عدم

لكن بهجت قرأ أيضًا رسالة عمر الخيام الفلسفية المعنونة بـ «رسالة الكون والتكليف» والتي يجيب فيها عن ثلاثة أسئلة هي: ضرورة التناقض في العالم في العالم وطول العمر والحتمية. وقد عانى بهجت كثيرا في فك مغاليق هذه الرسالة الفلسفية لأشهر عديدة. سبب معاناته هو أنه لم يكن يتفق تمامًا مع الخيام وفي نفس الوقت لم يستطع إقناع نفسه بالاختلاف مع شاعر وفيلسوف عظيم مثل الخيام.

وكان لبهجت صديق مقرب اسمه عبد العظيم. وكان الجميع يعلمون أن شيئا ما يربط بينهما، رغم أن الأمر لم يكن يخلو من غرابة. فبينما كان بهجت هادئًا ومحبا للقراءة، كان عبد العظيم رياضيًا وشخصا اجتماعيا. وذات يوم كان جالسين على ضفة النهر الذي بشق بلدتهما، وهما يتسليان برمي الأغصان الصغيرة في النهر و يشاهدانها تجري في الماء وتبتعد. ترى أين كانت تذهب؟ لا أحد يعرف. عندها طارح بهجت صديقه عبد العظيم أفكاره قائلا "إذا كان نفس الإله هو الذي خلق جميع الناس، فمن المؤكد أن هؤلاء جميعا متساوون ولا ينبغي للشيوخ أن يقرروا أي فتاة نتزوج، كما لا ينبغي للسلطان علي العادل أن يسن جميع القوانين." ورغم كون عبد العظيم شجاعا إلا أنه طلب من بهجت ألا يخبر أحدا بأفكاره حتى لا يجلب لنفسه المتاعب.

عاش بهجت صراعا داخليا كبيرا في الأسابيع الموالية. كان يعلم أن الله قد خلق جميع الناس متساوين، وكلما فكر في الأمر، أصبح أكثر اقتناعًا بأنه على حق وأن على الأمور أن تتغير. لكن إذا كان عبد العظيم الشجاع قد طلب منه أن يلتزم الصمت فما عسى أسرته أن تقول؟ وماذا سيقول السلطان إذا بلغه أن بهجت يقول أشياء تدخل في باب خيانة الوطن؟

لكن في أحد الأيام، قرر بهجت أن يخبر أسرته بالأمور التي كانت تعتمل بداخله، حتى ولو أدى ذلك إلى نبذه ... أو حبسه في غرفته ليستعيد رشده. وعلى مائدة العشاء في إحدى الليالي أخبرهم بما أخبر به صديقه عبد العظيم قائلا: «إذا كان نفس الإله هو الذي خلق جميع الناس، فمن المؤكد أن هؤلاء جميعا متساوون ولا ينبغي للشيوخ أن يقرروا أي فتاة نتزوج، كما لا ينبغي للسلطان علي العادل أنم يسن جميع القوانين.» في الحال انتفض والداه غاضبين وصرخا فيه أنه ضال.

مرت أسابيع وتغير الحديث حول مائدة العشاء من نبرة الجدل والخلاف إلى نبرة النقاش والحوار. كان الأمر بالنسبة لبهجت صراعًا يوميًا، رغم أنه كان يعلم أن ما رآه من الله يثبت أنه كان على حق ضدا على قرون من الباطل. لقد كان الأمر يتطلب شجاعة يومية لمواجهة والديه إلى أن نجح أخيرا في إقناعهما، ثم اتسع بعد ذلك نطاق النقاش ليشمل الأسر الأخرى، ولم يمض وقت طويل حتى سمع السلطان نفسه بذلك. ونتيجة لشجاعة بهجت، تجمع الناس ذات يوم أمام قصر السلطان محتجين، فكان أن أعطى السلطان العجوز الحكيم الحرية للشعب.

بالطبع، بقيت هناك مسألة الزواج. كانت العادة لقرون أن الشيوخ والوالدان يختارون الزوج أو الزوجة لأبناء وبنات البلدة. لكن هذا ظل صراعا آخر ليوم آخر!