عشاق الله

لا تخف

نادر عبد الأمير

تعني الشجاعة بشكل عام قوة العزم والإقدام والقدرة على مقارعة الخصوم والأعداء، بل والانتصار عليهم. لكنها تعني بشكل خاص، أي فيما يتعلق بالمؤمن، خلُقا يكتسبه الشخص بالممارسة المستمرة في الوقوف بجانب الحق والانتصار له دونما خوف أو استسلام، وتعني أيضا المثابرة والصبر والتضحية لأجل تحقيق مشيئة الله تعالى. فالتمرس بفضيلة الشجاعة يمنحنا القدرة على السيطرة على المخاوف وكذا الثبات وقوة الإرادة وقدرة التحمّل في أزمنة الضيق والخطر والاحتياج، بل يمنحنا قدرة مواجهة الموت نفسه كما حدث مع الكثير من رجال الله عبر عصور الاضطهاد التي مرت بنا. فليس عبثا قول السيد المسيح: «اختاروا السَّبيلَ الضَّيّقَ الّذي يُوصِلُكُم إلى حَضرةِ اللهِ، ولا تَختاروا السَّبيلَ الواسِعَ فيوصِلُكُم إلى الهَلاكِ، فما أكثَرَ الّذينَ اختاروا الدُّخولَ مِن أوسَعِ الأبوابِ، فأدّت بِهِم بسُهولةٍ إلى الهَلاك! وما أضيقَ البابَ الموصلَ إلى الجِنانِ وما أعسَرَ سَبيلَ النَّجاةِ، وما أقلَّ الّذينَ يَهتَدونَ إلَيهِ» (متى 13:7-14). الباب الضيق يعنى أيضا المدخل الصعب الذي يتطلب الولوج عبره قوة العزم والشجاعة واقتحام المكاره مهما اشتدت.

 لهذا السبب لم يعرف أتباع المسيح الحقيقيون سوى نوع واحد من الجهاد وهو جهاد النفس في سبيل نيل رضى الله تعالى، وهو الجهاد بمعناه العام بالنسبة لإخوتنا المسلمين الذين يعرفون الجهاد العام على أنه «بذل الوسع في دفع كل ما يدعو إلى مخالفة هدى ومشيئة الله من الكفر والمعاصي؛ فيشمل جهاد النفس والهوى والشيطان، ويدخل فيه: رد الشبهات المعارضة لرسالة الله، ودفع الشهوات المعارضة لأمر الله، وإثبات الحق بالحجج والبينات.» ولا يخفى على أحد ما يتطلبه هذا النوع من الجهاد من شجاعة للتحلي بالصبر والتحمل والمواجهة، وهو لا محالة ما يذكرنا بحادث دخول سيدنا عيسى الهيكل، عندما «رأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام والصيارفة جالسين على مناضدهم، فجدل سوطاً من حبال وأخذ يطرد الباعة كلهم من الهيكل (...) وأخذ يعلمهم فيقول: أَمَا جاء في الكتاب: بيتي بيت صلاة لجميع الأمم، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص؟». ينبغي الانتباه هنا أيضا إلى الرمزية العميقة للحادث، فالهيكل في الآية يعني الهيكل الحقيقي، كما يعني أيضا قلب الإنسان مصداقا لقول الرسول بولس: «أنتم هياكل الله وروح الله ساكن فيكم» (1 كورنثوس 3: 16). لذلك علينا أن نحتذي مثال السيد المسيح ونتحلى بالشجاعة والغيرة للحق، ونقتحم بجرأة بواطننا لنطهرها من كل ما لا يتفق مع مشيئة الله.

إن رسالة السيد المسيح هي رسالة التحرر من الخوف والتحلي بالشجاعة ومن ثمة رسالة إحراز السلام . فما من تابع حقيقي للمسيح قد يثبط الخوف عزيمته. نعم، قد يساوره كجميع الناس الخوف سواء كان ذلك الخوف حقيقيا أم مرضيا. لكنه سرعان ما يتذكر وعود الله الصادقة، وصنائعه القوية مع المؤمنين مما يمنحه لا محالة السكينة والسلام الداخلى ويمكنه من قهر الخوف . فعبارة "لا تخف" تطالعنا مرات عديدة فى الكتاب المقدس كتذكير لنا أن الله تعالى يرعانا مثل أب يسهر على أمن وراحة أبنائه. ألم تكن آخر وصايا السيد المسيح تصب في هذا المنحى عندما قال: «سأترُكُكُم وقد وَهَبتُكُم: السَّلامَ والطُّمأنينَةَ، وما هي بالطُّمأنينَةِ المُزَيَّفةِ الّتي يَعرِفُها أهلُ الدُّنيا، بل إنّها الطُّمأنينةُ الّتي تَصدُرُ عنّي. فلا تَضطَرِبَنَّ أفئدتُكُم ولا تَرتَعِدْ.» (يوحنا  14 : 27). فالله قريب منا، بل أقرب من حبل الوريد كما يقول الإخوة المسلمون، وهو واهبنا على الدوام القوة والشجاعة والحكمة مصداقا للآية الكريمة: «لا تخف لأني معك لا تتلفت لأني إلهك قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري. انه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك، يكون كلا شيء مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم، يكون محاربوك كلا شيء وكالعدم. لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك القائل لك لا تخف انا أعينك» (اشعياء 10:41- 13).