عشاق الله

بعض معاني الرحمة

نادر عبد الامير

الرحمة صفة من صفات الله الرحيم كما هو مكتوب في سفر الخروج «الرب الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء.» (سفر الخروج 34: 6)، وكما هو أيضا مكتوب في سفر المزامير «الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة. لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنّا معاصينا. كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه». كما نعرف أن في الإسلام اسمين من أسماء الله الحسنى مشتقين من الرحمة. فالله في الإسلام رحمن ورحيم للإشارة إلى سعة رحمته تعالى بخليقته. و«الرحمن الرحيم» من السبع المثاني التي لا تصح صلاة بدونها.

والرحمة من جانب الله تعالى هي عدم جزائه لنا بما نستحقّه، أما من جهة الإنسان فهي إظهار المشاعر الطيبة والشفقة في معاملتنا مع الآخرين لاسيما خلال فترات محنهم. لكن رغم ما نشاهده من قسوة قلوب الناس حولنا فإننا نعلم أن الله لم يخلقهم قساة كذلك، بل خلقهم رحماء على صورته!! والحق اننا نتساءل من أين جاء الإنسان بكل هذه القسوة التي نقف مشدوهين أمامها أحيانا كثيرة.

الجواب في الكتاب المقدس الذي يقول «وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ.» (رومية1: 28) فالله هو الرحمة ومصدر الرحمة، وعندما ابتعد الناس عنه كانت النتيجة أن أصبحوا «مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا» (رومية1: 29) إننا نعرف أن السيد المسيح لم يُعَلّم تلاميذه وتابعيه الرحمة فقط، بل جعل من قلوبهم منبعًا للرحمة والشفقة على الغير، وذلك واضح في صور كثيرة ومختلفة نذكر منها:

  1. الشفقة على الشخص الذي يتألم، كما نقرأ في قصة السامري الذي أظهر الرحمة على الرجل المجروح المشرف على الموت والملقى على الطريق، وكيف أنه ضمَّد جراحه بحنوّ، وحمله على دابّته ثم أخذه إلى فندق ودفع له أجر الفندق. وقد لخَّص السيد المسيح هذا العمل الرحيم في عبارة «الذي صنع معه الرحمة»، كما نصح السيد المسيح مستمعه قائلاً «أذهب أنت أيضًا واصنع هكذا» (لوقا 10: 33-37).
  2. الرأفة بالوالدين والسهر على راحتهما وسعادتهما، لأنه طوبى للأبناء الذين يتحنّنون على آبائهم وأمهاتهم؛ فهؤلاء تطول أيامهم على الأرض، حيث نقرأ في سفر الخروج «أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك» (خروج 20: 12)، كما أن الأبناء الأمناء الرحماء نحو والديهم يسهل عليهم أن يكونوا أمناء نحو الله، فقد استخدم الله العلاقة البشرية كرمز لعلاقتنا به سواء من ناحية خلقه لنا، أو من ناحية فضله ونعمته.
  3. الرأفة بالحيوانات: نقرأ في سفر الأمثال هذا المثل:«الصدّيق يراعي نفس بهيمته أما مراحم الأشرار فقاسية» (أمثال12: 10). بينما نقرا في الكتاب حكاية بلعام الشرير القاسي القلب الذي ظل يضرب حمارته بشراسة وقساوة، بل تمنّى لو كان معه سيف ليقتلها! مع ما في الأمر من سخرية مريرة من عماء القلب البشري وقساوته.

لكن الكتاب يخبرنا أيضا أن لانعدام الرحمة عواقب مريرة. فقد قَصّ السيد المسيح حكاية عن العبد الذي سامحه سيده بعشرة آلاف وزنة، أي ما يساوي الملايين اليوم، إلا أن هذا العبد الشرير رفض أن يسامح زميله بمئة دينار فقط، ووضعه في السجن. فكان أن أحضر الملك ذلك العبد مرة أخرى وقال له «أيها العبد الشرير، كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إلي أفما كان ينبغي أنك أنت أيضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا، وغضب سيده وسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه» ثم خلص السيد المسيح بعدها إلى الدرس من هذا المثل قائلا: «فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته» (متى18: 33) فكل من يغفر ويكون رحيما مشفقا على إخوته، يعامله الله بالمثل. فلنكن رحماء!